PostHeaderIcon مذكرات قاهرية ( 2 )

ركن الثقافة - ثقافة

jpgاليوم الثاني (الخميس) 27/يناير/ 2011م
استيقظت باكراً أديت صلاة الفجر ومارست طقوس كتابة مذكرات اليوم الأول على الشرفة من خلف الزجاج ، هذه الشرفة تطل في جزء منها على النيل والجزء الآخر على أطراف حي الزمالك وترى من

خلالها بعض العمارات والفنادق في الأفق ، الأجواء جداً جميلة في الصباح الباكر ، شحنت الأجهزة الكهربائية ، شحنتني بطاقة عالية من النشاط والتفاؤل من خلال بعض الأذكار ، ودلفت عند الثامنة لمطعم الفندق لأن الإفطار مجاني في فندق الست أم كلثوم ، لا ضجيج ولا زحمة في المطعم ، امرأتان جزائريتان ورجل أجنبي وسعودي وزوجته وأنا ، أثناء خروج السعودي ألقى علي السلام وابتسم هكذا نحن أبناء الوطن في الوطن نمقت بعضنا وخارجه نحب بعضنا!
ازدردت بضع لقيمات يقمن صلبي مع كأس من الحليب ووليت هارباً نحو المجهول مشيت بمحاذاة النيل والذي شكل لي رمزاً للحرية (أي النيل) خلال رحلتي هذه فأنا أشعر بقدر كاف من الحرية حين أسير بمحاذاته ، حتى وصلت ساقية ( الصاوي ) وقفت عندها وهي كما يقال ملتقى ثقافي شبابي يتم فيه تداول الكثير من القضايا الفكرية والثقافية والأدبية . لكنه كان فارغاً إلا من رجل مسن يقرأ جريدة ، ولأن الأمسيات تبدأ عند السابعة مساء ، والموقع مطل على النيل
سرت في اتجاه لا أعرف نهايته إلا أني رأيت أمامي لافتة كبيرة كتب عليها ميدان التحرير ،دار الأوبرا وتحتها سهم لليسار ، ثم لما تجاوزتها رأيت لافتة كتب عليها المكتبة الكبرى بالقاهرة هكذا أو ربما اسم آخر قريب من هذا فسرت باتجاه السهم أسفل اللافتة وسألت فلم أجد شيئاً . ثم أوقفت سيارة أجرة وطلبت منه أن يقلني إلى المتحف المصري هذا المتحف يحوي الكثير من الآثار الفرعونية وبه قسم خاص بمومياء الملوك الفرعونية ، الحراسة مشددة هناك لأن أكثر الزوار أجانب وكنت أبحث أثناء تجوالي في المعرض عن عربي واحد فلم أجد سوى ثلاث عائلات مصرية كنت انظر للأحجار الضخمة وللتوابيت المزخرفة وللفراعنة فأردد سبحان من لا يزول ملكه ولا يندثر ذكره هذه أمم سادت ثم بادت .
السائحون الأجانب قد ملؤا المكان ودخولي كان موافقاً (للقروبات) السياحية فرأيت مجتمعات الأرض قاطبة في ذلك المتحف عدا العرب ، أحدهم أي المرشدين استوقفني وقال لي أريد أن أستشيرك في موضوع وأخذ يحكي لي عن زوجته التي لا تحبه وتقول له أنها تكره وأنه لما يذهب يطلقها أخذت (تزغرد) وهي تصرح له بأنها أخذته لتطعم إخوتها الصغار لأنهم أيتام وأنها تحب شخصاً آخر ! ولكنه أي الذي استوقفني قال إني أحبها مع كل ذلك ، وأن والده يقول له طلقها لأنها فضحتهم بعلاقتها مع حبيبها ، فقلت له حاول أن تجعلها تحبك فلما وجدت الأمر معقداً للغاية قلت طلقها وربك يعوضك كيف تعيش مع امرأة تقول لك أنها تكرهك وتصرح لك بأنها تخونك مع آخر ! فهز رأسه ولوعة في فؤاده تكاد تحرقه يبدو أنه يحبها حباً عظيما ، مع العلم أنه تزوج أخرى ولكنه لم يحبها كما أحب تلك ، بعد هذه الحادثة سأفكر جدياً في إنشاء جمعية لمساعدة المطلقين وليس المطلقات لبدأ حياة جديدة وسعيدة وهذا ضرب من ضروب حقوق الرجل العربي (الغلبان)!.
هذا المتحف قريب جداً من ميدان التحرير وملاصق لمبنى الحزب الحاكم في مصر الذي احترق بالكامل في جمعة الغضب ، وقد نهب بعض هذا المتحف مساء الجمعة أي بعد زيارتي بيوم فقط ، واكتشفت فيما بعد أن الكثير من أهل القاهرة لم يزورا هذا المتحف الفرعوني ! ولا الأهرامات !.
أخذت جولتي في المتحف قرابة الساعتين بعدها توجهت لمجمع الأديان أو لنقل مصر القديمة حيث مسجد عمرو بن العاص رضي الله عنه والكنيسة المعلقة والمعبد اليهودي وهناك سبع كنائس قديمة جداً تحولت لمعالم لم أدخلها ولم أفكر في ذلك بل اكتفيت بدخول المسجد والنظر للكنائس من الخارج ، ومع ذلك شاهدت شيئاً جميلاً مقابل الكنائس يوجد محلات تبيع أشياء قديمة وخردوات و غالب أصحاب المحلات قد رفع صوت القرآن الكريم بأصوات شجية .
حدث شجار بيني وبين رجال الأمن حيث منعوني من التصوير ومع ذلك صورت (مسوي سائح ) .
نسيت أن أحدثكم عن صاحب التاكسي الذي أوصلني للمتحف الوطني أو الفرعوني و الذي اعتقد أني مراسل لقناة الجزيرة عندما تحدثنا عن توتر الأوضاع في البلد ووجدني أدون بعض النقاط المهمة إذ أني كنت أسجل بالكتابة حيناً وبالصوت حيناً آخر آراء الشارع المصري أثناء تجوالي ، فتوقف جانباً وقال لي (سجل حضرتك ) وأخذ يسرد علي أبرز السرقات في البلد بمباركة حسني مبارك وأعوانه ، وأصبح بكائياً وهو يردد بين كل ثلاث جمل (سجل كل حاجة بأولها لحضرتك ) إحنا شعب بنموت ! أكملت المشهد مطأطأ الرأس وأردد وماذا بعد فقلت له بعد ركنه للسيارة جانباً بلحظات ما رأيك أن نكمل سيرنا فأنا مستعجل!
عندما توقفنا أمام الأمن رفع صوته متحمساً (دول بيسرؤنا والله العظيم ) باعوا مبنى التحرير وحيبعونا احنا كمان).
عند الواحدة ظهراً عدت للفندق واسترحت قليلاً مع قيلولة ممزوجة بشيء من الأحلام الثورية!
مساء ذلك اليوم ذهبت لشارع طلعت حرب وهناك عمارة يعقوبيان وهي العمارة التي تدور حولها أحداث رواية يعقوبيان لعلاء الأسواني والتي مثلت فيما بعد في فيلم لكنه لم يرقى لمستوى الرواية الأصلية ، وفي هذا الصدد كتبت المجلة العربية في أحد أعدادها عن هذا أي تحويل الروايات إلى أفلام ، ومدى نجاح المخرج في ذلك .
زرت هناك أكبر مكتبتين (دار الشروق ) و( مدبولي ) ولكني لم أشتري أية كتب لقرب معرض الكتاب ولأن الأسعار تكون أقل في المعرض فقط اكتفيت بمطالعة أبرز العناوين الجديدة والسؤال عن أهم الإصدارات لهذا العام .
ملأتني وقوداً في مطعم بقرب عمارة يعقوبيان لأتهيأ السير في شارع طلعت حرب وما تفرع منه إذ يوجد على امتداد الطرق هناك محال تجارية وبائعون متجولون و آخرون قد افترشوا لبضاعتهم الأرض .
المتعة التي كنت أمارسها كما العادة أني أسير وحدي ، وكأني قطعة آدمية قد انفكت من كل أغلال العلاقات العرقية والوطنية والوحدوية وإلى آخر المنظومة ، وقد ذكرت مراراً في مواطن عدة أن من الهوايات التي أمارسها أحياناً أثناء سفري أن أتخيل نسي مقطوعاً من شجرة لا والد ولا ولد ولا وطن ولا صحبة ولا شيء فقط أنا وأنا فقط ! ولكم أن تتصورا الخيالات التي أعيشها ، طبعاً هذه اللعبة لفترة وجيزة لأن طبعي الاستئناس بالآخرين مع أني أمل إذا تجاوز الوقت القلتين في صحبة أحد إلا إن كان هذا الشخص له اعتبارات أخرى وفق معايير أضعها لنفسي ولا أجهر بها !
سرت في شوارع سوريا وبيروت والأردن والبحرين والكويت ولم أجد الراحة والطمأنينة كما وجدتها عندما سرت في شوارع القاهرة ، ربما يعود ذلك للإرث الثقافي والحضاري لهذا البلد .
اشتريت بعض الهدايا والحاجيات ومع فرحة الأطفال التي تغمرنا أحياناً نسيت أن أدخر شيئاً من المال للعودة للفندق ! لذا طلبت من صاحب التاكسي أن ينتظرني بعد أن أصبحت شريكه في حمل هم القضية المصرية من خلال الأحاديث التي دارت وقد أقسم علي أن لا أدفع الحساب لأن الدور التي قمت به من خلال تحفيزه على المضي قدماً في ثورته ضد الطغيان المتمثل في الحزب الوطني الديمقراطي والذي يترأسه حسني مبارك .
ذلك اليوم كانت المظاهرات على قدم وساق في ميدان التحرير وأمام دار القضاء العالي ونقابة المحامين ، ربما في شارع رمسيس .
لما عدت للفندق وسألت العاملين هناك عن الأحداث في ميدان التحرير ،اعتقدوا أنني خائف فقال لي المدير المناوب دول كلهم ما يجيوش 18 واحد ! متظاهرين ( يا نصبك نصباه )....!!!

بقلم \أحمد العسيلان