PostHeaderIcon نزلة السمان

مصريات - مصريات

jpg

دعوني اصحبكم معي لمكان اقل ما يوصف به انه مهد الحضارة ... دعوني اصحبكم الي نزلة السمان حيث تقع اعلي هذا الحي البسيط هضبة تحوي اروع اثار الدنيا قاطبة ... الاهرامات و حارسها الابدي ابو الهول ... الرابض اسفل الهضبة يحتضن بين يديه البيوت البسيطة التي كانت منذ فترة بسيطة مبنية بالحجر و الطوب اللبن و جذوع النخيل قبل ان يتحول اصحابها للسياحة و تجارة الاثار فصاروا في بحبوحة من العيش تمكنهم من بناء القصور ... و قد كان

الاهرامات ... نزلة السمان ... كيف نعشق التاريخ

jpg

ان تبدأ طفولتك و انت تطالع يوميا اثرا بحجم الاهرامات ... تجري حافي القدمين تُلهِبَ حرارة الصحراء قدميك لتختبيء خلف احد الاحجار الواقعة في حرم الاهرامات و ابو الهول و انت تلهو مع رفاقك بلعبة الاستغماية ... تتابع ضوء الشمس و هو يتسلل علي وجه ابو الهول صباحا في استحياء حتي ينحسر عنه عند الغروب ...... تتلمس بدنه الذي اصابته الشيخوخة و عوامل التعرية و محاولات هيئة الاثار المستميتة لعلاجه ... حتي يظهر لنا بمظهره المهيب هذا ....تطالع الابار في كل مكان ... و تجول بخيالك كيف كان اجدادنا من الاف السنين يرتون من هذه الابار عند انحسار مياه الفيضان
اقول ان تبدا طفولتك و انت تطالع هذه الاثار .... تنغرس في وجدانك كل معاني الشموخ و الاباء .... قليل منا من يشعر بذلك و يتعامل مع هذه الاثار بمثل هذه الحساسية و الحب الذي تشعر احيانا انه حب متبادل بين طرفين لا من طرف واحد هو انت
كثيرا ما اتحسس هذه الاحجار فيسري هذا التيار الذي يهز كياني هزا – دعوني اصف لكم هذه الشعور او دعوني اشبهه بالتيار الذي يسري في جسد احدكم عندما يلمس يد معشوقته للمرة الاولي ... هذا هو اقرب احساس لما اشعر به عندما المس احجار ابو الهول او الاهرامات او المعابد المتناثرة هنا و هناك – عندها ينساب من هذه الاحجار فيض من صفحات التاريخ تتجسد كما تتجسد الشخوص في احلامنا و كانك تشاهد فيلما سينمائيا
هنا حيث اجلس مرت جيوش رمسيس الثاني في طريقها الي سوريا لتكون اعظم امبراطورية عرفها التاريخ و سبقتها جيوش احمس و تحتمس ... هنا اتي الغزاة من الشرق و الغرب ليطالعوا عظمة هذه الابنية ... فيشعرون بتضاؤلهم امامها ... و تصيبهم الرهبة ... حتي يستسلموا لثورات هذا الشعب المسالم فيرحلوا بدون اي اراقة للدماء غير ماسوف عليهم... هنا مر عمرو بن العاص فاتحا ارض القبط فاستقبله قساوستها استقبال الفاتحين ... و اصابتهم الدهشة عندما قارنوا بينه و بين قائد جيوش الروم ... فهذا الاعرابي الرث الثياب  الذي يعلوا وجهه غبار السفر لا تبدو عليه اي اثار للثراء ... يجيء و يذهب بلا حرس و لا هيلمان ... يتكيء علي جذع شجرة و يرتشف بعض الماء من احد هذه الابار و يتناول تميرات يسد بها جوعه .... هنا اتي نابليون في زهو و خيلاء و عندما طالع هذه الاوتاد ... اصابه الياس و شعر بالدونية في مواجهتها

jpg
هذه البلدة التي تدعي نزلة السمان قالوا انها اكتسبت هذا الاسم من طائر السمان الذي كان ينزل اليها عند فيضان النيل فيغرق هذه القرية بمساكنها فياتي السمان ليجد مكانا رطبا يعيش فيه .... و قيل لان سيدي حمد السمان قد نزل بها فسميت نزلة السمان ... و سيدي حمد السمان كما يقولون احد اولياء الله الصالحين ....هناك قبر مجهول في احد المعابد عند سفح هرم خفرع يقولون ان هذا القبر يخص سيدي حمد السمان ... ما زال بعض الاهالي يتبركون بهذا القبر !!
لو زار احدكم النزلة قبل ثلاثين عاما ما تعرف عليها اليوم .... كانت تخلوا الا من بعض البيوت الطينية المتناثرة هنا و هناك و قد عرشت بجذوع النخيل ... كان يحدها من الجهة الشرقية و حتي نهر النيل زراعات القمح و الذرة و الخضراوات اما من الغرب فكانت هضبة الاهرامات تليها الصحراء حتي الفيوم و الاسكندرية ... و تتناثر بجوار ابو الهول مقابر اهالي النزلة تستطيع ان تميزها من بعيد بشجرة الجميز العملاقة التي كان يحلو لي الجلوس علي احد فروعها العملاقة متاملا وجه ابو الهول الذي تعلوه تلك الابتسامة الغامضة الساحرة المتواضعة في ذات الوقت .... كم دارت بيننا من حوارات لو كنت سجلتها ...

 

تغيرت النزلة الان و غطتها المباني الاسمنتية .... ازالوا المقابر ... حتي شجرة الجميز اصبحت اثرا بعد عين ... و قاموا بتشويه حرم الاهرامات بالسور الحجري الذي بنوه حديثا و لم يتبق لي الا سطح المنزل لاكمل حوراتي مع ابو الهول او لنتبادل التحية
ازيلت غالبية منازل نزلة السمان القديمة و كم ازيل من قبلها مات ملوك مصر العظام و جاء غيرهم تتغير الدنيا كل يوم و تبقي الاهرامات باقية ابد الدهر
تذكر انك حينما تقف ههنا امام ابا الهول بين ذراعيه فانك تقف في ذات المكان الذي وقف فيه خفرع بعد انتهاء بناؤه ... و وقف فيه تحتمس ليسطر النبوءة التي تنبأها له ابو الهول بانه سيحكم مصر ... نعم انت تقف حيث وقف هؤلاء العمالقة ... فباي زهو تشعر