PostHeaderIcon مذكرات قاهرية (3)

ركن الثقافة - ثقافة

jpgاليوم الثالث (جمعة الغضب) 28 /يناير/2011م
كان الصباح هادئاً جداً وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة ، تم تعطيل خدمات الانترنت وشبكات الجوال وهذا ما أغضبني كثيراً فأصبحت حائراً .
كنت أرقب الحدث من على الشرفة وقد أحتشد الأمن المركزي في كل مكان والاستعراض من قبل رجاله واضح جداً لإثارة بعض الرعب في قلوب المتظاهرين أو من تسول له نفسه الاشتباك معهم .
بعد صلاة الجمعة بنصف ساعة بدأت الاشتباكات وإطلاق الغاز المسيل للدموع بشكل مكثف ، حتى أنه أثر على المبتعدين , كان من المفترض أن تتجه جميع المسيرات باتجاه ميدان التحرير لكن قوات الأمن منعت أياً منها من خلال وضع حواجز وإغلاق جميع المنافذ وبدأت المواجهات في كل مكان .
التوجس واضح على الضباط وغالباً ما يترددون في توجيه الضربات ربما كان ذلك مؤشر لشيء من التغيير المفاجئ ، خاصة أن تشكيل أمني في الإسكندرية رفض إطلاق الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين .
نزلت للشارع وعبرت الطريق وتوجهت لتجمع أمني على أحد الجسور التي تعلي النيل والمؤدية لميدان التحرير فأمروني بالرجوع وسألتهم متكلفاً البلاهة كسائح لا يدري ما الذي يحدث (ليه فيه شيء) بلهجة سعودية فقال أحدهم (لا ولا حاجة) ، كم أود النزول للشارع والانضمام لصفوف المتظاهرين ، ربما يمنعني الجبن أو لنقل شيء لا أدري ما كنهه.
رأيت مجموعة من الشباب يعيدون قنابل الغاز من خلال مسكها بحائل للأمن.
يردد المتظاهرون عندما يريد أحد رجال الأمن ضربهم أو تفريقهم ( احنا بنعمل كدا عشانك سبيني أمشي ) وهذا العسكري المسكين مغلوب على أمره خاصة أنه مبرمج لتنفيذ أية أوامر يتلقاها من قبل الضابط .
لا أدري ما إذا كان معرض الكتاب الذي جئت من أجله سيؤجل أم لا ؟
انتشر بين صفوف المتظاهرين رجال أمن بلباس مدني لتشتيت المتظاهرين وإرباكهم.
تم اعتقال بعض الصحفيين وحجزهم داخل بعض العمارات حتى لا يقوموا بالتغطية .
ثورة الحقوق ، اليوم الرابع على التوالي وكثير من الأمن المركزي لم يذوقوا النوم .
هذا الانقطاع عن العالم الذي أعيشه جعلني في حيرة من أمري فمرة أنزل أسير بجانب النيل ذاهباً عائداً ثم أصعد للغرفة ، أفتح الجهاز المحمول أكتب قليلاً ثم أفتح على قناة الجزيرة . وأتخيل هل ستصل السعودية في يوم من الأيام إلى هذا الشيء الذي بلغه المصريون ؟
قد يستغرب البعض أنني سعيد جداً بهذه الرحلة لأن لذتي تكمن في أخذ الحقوق وردها لأصحابها .

ما يؤرقني هو قلق أهلي علي لأن جميع الاتصالات معطلة .
حسناً الآن أسمع هتافاً بالقرب من الفندق سأنزل لأرى فقد مللت وسأنتحل شخصية مواطن مصري مثقف وسأشارك القوم حتى أقوم بأداء الواجب القومي !.
عبرت الردهة إلى المصعد الكهربائي ولجت ومعي شاب كويتي قلت (شكل الدعوة مولعة) رد (الله يستر) دلفنا للخارج فوجدنا مظاهرة تعبر من أمام الفندق كان ذلك عند الساعة الواحدة والنصف تقريباً ، علماً أن هذه المظاهرة كانت من نوع الخمسة نجوم ! كلهم من الطبقة الارستقراطية أي طبقة الأغنياء ومعهم أجانب ربما كانوا ناشطين حقوقيين ، قلت لصاحبي الكويتي ما رأيك أن نشارك القوم مظاهراتهم؟
وافق وسرنا معهم وما إن تجاوزنا الفندق بعشرين متر وكنت أصور بكاميراتي حتى أطلقت علينا قنبلة غاز مسيل للدموع من أعلى الجسر المؤدي إلى ميدان التحرير وكانت قريبة مني مما أثر سلباً على عيني ووجهي وقد زاد ذلك في إصراري على إكمال المسيرة بعد أن غسلت وجهي ، لأن غسيل الوجه يخفف كثيراً من وطأة الألم الذي يحدثه ألم الغاز الحارق ، وللعلم فإن هذه القنابل أخف بكثير من تلك التي تستعملها السلطات الإسرائيلية لتفريق المحتجين في فلسطين من خلال تركيبها بنوع من الشطة الحارقة لعنهم أينما حلوا، والحق أن الأمن المركزي لا يرحم والشعب المصري قد قطع أمله بالحياة دون العيش بكرامة .
سرنا باتجاه ميدان التحرير وبما أن القوم الذين كنا نسير معهم (برستيج) فإنهم رفضوا أية مواجهات مع الأمن ولذلك أصبحوا يسيرون في أزقة حي الزمالك ونحن ندور معهم ، ومن الطريف أننا وأثناء سيرنا كانوا يرددون هتافات كثيرة من ضمنها (ارحل ارحل يا مبارك السعودية بانتظارك) جاءت هذه الهتافة عندما عبرنا أمام القنصلية السعودية ،أما أنا فأقول في نفسي (الله لا يقوله ما يكفي الفشيلة الأولى) ، والشيء الذي أضحكني أنهم بدؤوا يرددون (ارحل يا حسني بلحن يصحبه تصفيق بنغمة أجبرت إحدى المتظاهرات على الرقص أو لنقل على هز جسدها طرباً باللحن !.
الشرفات كانت مليئة بالمؤيدين والمؤيدات والمتظاهرون يهتفون لهم (انزل .. انزل .. انزل ) ليزداد العدد ، بعد السير لمدة ساعة ونصف تقريباً قرر البعض الاعتصام أمام جمع من السفارات الأجنبية بينما أصر البعض الآخر على السير نحو ميدان التحرير .جلسنا قليلا لنستريح ثم أكملنا سيرنا حتى عادوا بنا للفندق قبيل غروب الشمس
بلحظات ، فقال لي صاحبي ما رأيك نكمل ؟ قلت له يكفي فاقترح علي أن نتناول وجبة الغداء في مطعم بيتزا هت القريب جداً ن الفندق فدخلنا وملأنا بطوننا وأنا كاره لهذا المطعم لأنه أمريكي ولكنها الحاجة حيث أغلقت غالب المطاعم والحركة كانت عسيرة جداً ذلك لأن الاشتباكات الدامية بين الأمن والمتظاهرين بلغت شيئاً عظيماً .

بعد ذلك ذهبنا للفندق في محاولة للاتصال من الهاتف الأرضي بأهالينا فوجدت الدنيا قائمة ولم تقعد في السعودية ، من خلال التكهنات (مات ... قتل...سجن... أعتقل ... إلخ).
صلينا المغرب والعشاء جمع تأخير في مسجد قريب من الفندق وأحد الشباب الصغار كان يحكي لنا ما حدث في ميدان التحرير من ضرب واعتقالات وهو يرجف من الخوف ، وقال إنهم أي الأمن بعد أن كسروا أضلاع أحد أصحابنا لحقوا بنا إلى المستشفى وضربونا هناك واعتقلوه وهو لا يقوى على الحركة .
أثار ذلك الحديث في نفسي شيئاً لطالما قرأته ورددته أي تغيير لا بد أن يكون في تضحية وأي تغيير في إرادات الشعوب لا بد أن يكون هناك ضحايا.
الدكتور حاكم المطيري في كتابه (الحرية أو الطوفان) والذي أصدره عام 2004 م والذي توقع فيه حدوث ثورة الشعوب العربية خلال عشرة أعوام ،سخر الكثير منه وقالوا إنه يعيش أحلام خياليه ، ولكن الشيء الذي لم يتوقعه حتى حاكم المطيري نفسه أن تندلع الثورة خلال ستة أعوام فقط .
ذلك المساء عكفت أمام قناة الجزيرة وطلق الرصاص الحي يخترق أذني بين فترة وفترة.
بدأ حظر التجول ذلك اليوم عند الساعة السابعة مساء ولكن لا حياة لمن تنادي ، الجميع ثائر ، والجميل في ثورة مصر أنها فاقت ثورة فرنسا بالنسبة لي على أقل تقدير حيث الوعي تجلى بكل معانيه في شباب مصر الأحرار ومن ورائهم البقية .
ذلك اليوم رأيت في عين الناس عبارات لا يخطئها العقل (الموت أو العدالة والحرية) (لن نرضى الذل بعد اليوم) ( أن نموت أحراراً خير من أنعيش عبيدا).
وعمار يا مصر....