PostHeaderIcon حول تعديل قوانين الاسرة بين المؤدين و المعارضين

ركن الاسرة - ركن الاسرة

المؤيدون لضرورة تطوير تشريعات الاسرة حتى تتمشى مع مطالب حياتنا الجديدة يعرفون عن يقين أن المجتمع الاسلامى قد تدهور على مضى الاجيال الى درجة أفقدته أمجاده و مقوماته،و دفعت به الى ذيل الحضارة بعد أن كان قائدها فى أزمنة ازدهاره الاولى.. و أن المسئولية الكبرى فى هذه الجريمة تعود أولا و أخيرا الى الرعية التى سيطرت على الفكر الاسلامى، بسبب تخلف قادته الروحيين عن الاجتهاد،و توقفهم عن أداء واجبهم فى توثيق الروابط بين الدنيا و الدين، معتمدين تمام الاعتماد فى تسيير دفة الحياة على تفسيرات فقهية لم تعد ملائمة لروح العصر الذى نعيش فيه..و أنه اذا كنا حقيقة نريد لهذا الشعب الاسلامى العزيز أن ينهض من كبوته،و يحتل المكانة اللائقة بعظة تعاليمه الدينية الصالحة لكل زمان و مكان، فسبيلنا الاوحد الة ذلك أن نواجه الحقائق بصراحة و شجاعة،و نبحث عن مواطن الضعف فنعالجها، بادئين بالاهم فالمهم، ألامر الذى اذا توخينا الاهانة فى القيام به – يضعنا وجها لوجه أمام الحالة المزرية التى وصلت اليها الاسرة بسبب التشريعات البدائية المتحكمة فيها..و لما كانت الاسرة هى الخلية الاولى فى جسد الامة،و لا يمكن أن ينصلح للشعب حال مالم تنصلح أحوال هذه النواة الرئيسية، مما يصبح من أوجب واجباتنا أن نسرع بعلاج ما أختل من أوضاع،و نسلحها بالتشريعات الجديدة الكفيلة بحمايتها و تقويتها،و هو آمر جائز دينا،و لدينا فقهاء أجلاء يدعون اليه بكل صدق و ايمان،و من قبيلهم نادى بشرعية هذه الاصلاحات الامام الاكبر محمد عبده، ثم الامام الاكبر مصطفى المراغى.

هذا منطق المنادين باصلاح قوانين الاحوال الشخصية.

أما المعارضون ففريقان: أقلية ضئيلة لا تستطيع أن تنكر تخلف الشعب الاسلامى و تدهوره،و لكنها تعاند فى تحقيق الاصلاح،و تتخذ فى سبيل الوصول الى غرضها أسلحة غير مستحبة،و غرضها من ذلك أن تحتفظ سلطانها على العقول،و تصون ديكتاتوريتها التى عاشت فى ظلها حاكمة آمرة لا منافس لها ولا شريك..و هذا بلا شك الجاه مؤسف للغاية، فالمسلم الاصيل هو الذى يقدم صالح الشعب نصرة الاسلام بكل ما يملك، حتى حياته اذا اقتضى الامر...

و نكتفى بهذا الكلام عن الاقلية الضئيلة،و ننتقل الى الاغلبية الساحقة من المعارضين. فجميعهم بلا استثناء يحبون بلادهم و يقدسون دينهم،و ينتمون من صميم قلوبهم أن ينهض الشعب الاسلامى من كبوته،و يحتل مكانه الصحيح فى دنيا الحضارة و التقدم..و لكنهم يقاومون فكرة اصلاح تشريعات الاسرة متأثرين بما صوره لهم بعضهم من أنها دعوة ترمى الى التحايل على الدين و هدم قوامه الرجل على المرأة..

إن قضية الاحوال الشخصية ليست لها أدنى صلة بالمرأة.. أنها خدمة للمجتمع الذى اختلت أسـسه بسبب اختلال الاسرة..و تنظيم الطلاق و تعدد الزوجات هو سبيلنا الوحيد الى تأمين حياة الاجيال الصاعدة و اختلافهم،و ليس فى ذلك أدنى مساس بقوامه الرجل الصالح.. فالذى نعلمه جميعا أن الاسفاف فى ممارسة الحقوق الشرعية، قاصر على الفئة غير المسئولة،و مثل هذه الفئة تحتاج الى قوامة القانون و قوة توجيهه.. كما هو الحال فى جميع النواحى الاخرى.. فنحن حين أردنا أن نضع حدا للسرقة و القتل، لم نكثف فى هذا المجال بترك الناس لضمائرهم، انما وضعنا قانونا صريحا يعاقب بالسجن من يسرق و يعاقب بالاعدام من يعتدى على أرواح الاخرين عن عمد و سبق أصرار.. و عند صدور هذه القوانين لم يغضب لها سوى اللصوص و القتلة لانهم كانوا أعرف الناس بحقيقة أنفسهم،و يخشون أن تقف عدالة القانون دون جرائهم.. فهل يمكن أن نطبق مثل هذه القوانين فى مسألة الطلاق و تعدد الزوجات و نطالب بوجودها لتحد من اسراف بعض الناس و إسفافهم وضعفهم أمام النزوات و مثل الحماقات الاخرى التى لا يصح أن نتركها لضمير الافراد، اذ أن أولئك الافراد من لايستطيع ضميره أن يرشده الى السلوك الصحيح فى الحياة؟
هل يمكن حقا أن نطالب بذلك ؟ وهل فى هذا ما لا يخالف شرع الله ؟

المؤيدين يقولون لو كانت هذه الدعوة مناهضة للدين مادعا اليها الامام محمد عبده من عشرات السنين.. و مادعا اليها من بعده الامام المراغى..و ما وضعت الحكومة سنة 1948 بموافقة رجال الدين الصالحين قانونا لتنظيم الطلاق،و تعدد الزوجات.. يحتوى على أكثر مما نطالب به اليوم،و لقد أخذ هذا القانون جميع اجراءاته حتى وصل الى (الملك فؤاد) فاعترض عليه رغبة فى وقف نهضة المجتمع التى لابد أن تترتب على اصلاح قوانين الاسرة.. و لو كانت دعوتنا فيها أدنى انحراف مع الدين ما وقف بجانبنا فضيلة الاستاذ الدكتور محمد محمد المدنى عميد كلية الشريعة السابق.. فهذا الرجل لا يمكن لمكابر أن يشكك فى عمق ايمانه بالاسلام،ولا غزارة معرفته بالفقه، يؤيدنا فى جواز ضرورة جعل تعدد الزوجات باذن من القاضى، كذلك يؤيدنا فى جواز جعل وقوع الطلاق أمام القاضى،و هو فى هذا التأييد أنما يستند الى روح القرآن الكريم و معانيه الحقيقية.
وفى سياق الأمثلة المذكورة ذكروا " إن الجمهورية التونسية العربية الاسلامية، سبقتنا الى الاصلاح،و وضعت منذ ثمانية أعوام قانونا صريحا يحرم تعدد الزوجات تحريما تاما،و يجعل الطلاق لا يقع الا باذن القاضى،و هذا أكثر مما نطالب به فى الوقت الحاضر.. و من ذلك الحين و القانون الجديد يعمل به فى تونس بموافقة الائمة و رجال الدين،و كان من نتائجه أن انتظمت الاسرة بسرعة مذهلة، فلم يعد فى مقدور الرجل النهم جنسيا أن يبدل و يغير فى زوجاته بأسرع مما يبدل و يغير فى أحذيته.. كذلك لم تعد الاسرة معرضة للانهيار أمام كلمة تقال فى غير محلها،و انخفضت نسبة الطلاق فأصبحت خمسا أو ستا فى المائة بعد أن كانت تزيد على ست عشرة.

إن التونسيين لا يقلون عنا أسلاما،و ليس من حقنا أن ندعى تفوقا عليهم فى هذه الناحية،و قد حققوا الاصلاح و استفادوا بخيراته الجزيلة، فى حين أننا مازلنا نكافح فى سبيل هذه القضية الحيوية..

أما لماذا يكون ذلك فى تونس ولا يكون عندنا فلأنهم وجدوا من قيادتهم الروحيين المعونة الواجبة للنهوض بالشعب الاسلامى....."

والآن أعزائى القراء..هل أنتم مع ضرورة وضع قوانيين تحد الزواج المتعدد وأن يكون الطلاق بأمر من القاضى وليس من حق الزوج وحده أم تجدون فى ذلك خروجا عن شرع الله برغم الأزمات الأخلاقية والإجتماعية التى نحياها؟