PostHeaderIcon أمنا لا تحبنا

ركن الاسرة - ركن الاسرة

جمعتنى مؤخراً مع عمتى الوحيدة - صديقتى الأثيرة - جلسة هادئة من تلك الجلسات التى كنت أحن إليها من آن لآخر بعد أن باعدت بيننا المسافات وظروف الحياة..كنا نتبادل أطراف الحديث حول تربية الأبناء ومخاطر

العصر الحديث وكيف أن أبناء اليوم غير أبناء زمان..وتطرقنا فى حديثنا إلى نقطة تدليلهم وكيف أن هذا التدليل إن زاد عن حده يفسد أكثر مما يقّوم..وكعادة كل الجلسات اللطيفة..انتهت زيارتها سريعاً....
وشردت بعدها أتأمل حالنا نحن أمهات هذا العصر..ندلل أطفالنا ونوفر لهم كل سبل الراحة..من ملبس لمأكل ومشرب..وألعاب ونزهات وفسح ..وتكنولوجيا ..وكل وسائل الترفيه الممكنة ومع ذلك لا يراودنا هذا الإحساس العميق المؤثر الذى كنا نستشعره دائماً فى طفولتنا مع أمهاتنا بالمقارنة بأحاسيس أطفالنا اليوم تجاهنا ..
أشعر وكأن هناك شىء ما يظل مفقود بيننا وبينهم وإستحوذت عليه كل الوسائل التكنولوجيه الحديثة من كمبيوتر وانترنت وتليفزيون ..تلك الوسائل التى قلصت من مساحة الوقت فيما بيننا كثيراً..والملاحظ بالفعل أن التكنولوجيا والألعاب الإليكترونية أصبحت تأخذ منا أولادنا وتقلل بشكل كبير جداً من الجلسات الحميمية الإنسانية داخل الأسرة الواحدة..أضف إلى ذلك هو إنعدام التزاور تقريباً بيننا وبين أقربائنا وأصدقائنا..عدم ممارسة أنشطة إجتماعية تضمنا فى إطار إنسانى يقربنا..تلك الممارسات الإنسانية التى سليناها..هل ياترى هى السبب الفعلى فيما وصلنا إليه من حالة خواء ونسبة جفاء لابأس بها فى تعاملنا مع الآخر..!!
قديماً لم تكن أمهاتنا يتحفوننا طيلة الوقت بكلمات من طراز "يا حبيبى..يا عمرى..يانور عينى..يا قلبى " مثلما تفعل أمهات اليوم مع أبنائهن..تجد مثل هذه الكلمات وكأنها ملتصقة فى ألسنتهن ..تنفرط منهم بمناسبة وبدون مناسبة على أسماع أبنائهن حتى ولو بدون إحساس..وكأنها محفوظة..تقال كتأدية واجب ليس إلا!!
أتذكر أننى لم أسمع من أمى مثل هذه الكلمات بإفراط ..وإنما كنت أسمعها بحساب..
كان الحب له قيمة ويستحق التعبير عنه فى الموقف الحقيقى له..حتى ولو كان بين الأم وأبنائها كنوع من الثواب على مايبدو..أثمن ثواب يمكن أن نحظى به وقتها من أمهاتنا ..فيدللوننا بتلك الكلمات الحنونة الصادقة على أمر عظيم مثلاً قد قمنا به ..تصوروا أن تكون كلمة من تلك الكلمات هى الجائزة!!!
ولذلك كانت أمهاتنا قادرات على إحتوائنا بنوع من الحنان القوى..هذا الحنان الذى كان بمثابة بوصلة لمشاعرنا كى توجهها لتنمو وتترعرع بثقة وفى الإتجاه الصحيح..بعدالة لمن يستحقها..لأنها قيمة وليست ناتجة من حالة فراغ أو بدون إحساس أو جدوى..كان معروفاً أن المشاعر تقّوم وتوجه ويمكننا بها أن ننجز أشياء كثيرة .فالإنسان منا بطبيعة الحال يحب أن يقدّر ..وما مشاعر الحب والإحتواء واحترام الإنسانية سوى أعظم تقدير!..
أحد إخوتى وقتها كان يتندر بأن أمنا لا تحبنا!!!!!
فهى ليست مثل كل الأمهات اللواتى تتحدث عنهم الكتب ..ونقرأ عنهم فى القصص..
والحقيقة أن أمنا كانت مثل كل الأمهات ..تطهو الطعام..تغسل الثياب..ترتب المنزل وتنظفه..وتبتاع لنا أشيائنا وكل مستلزماتنا..لم تحرمنا من أى شىء سواء فى المناسبات العامة والخاصة أو فى الأيام العادية..تحملت كل الظروف..ومع ذلك لم تكن أستاذة قديرة فى إلقاء كلمات الحب على مسامعنا..ولكنها كانت أستاذة الأساتذة فى أن تشعرنا بأقصى درجات الأمان النفسى والثقة والتقارب..كنا نسعد بمجرد وجودها معنا فى أى وقت وفى أى مكان..تحدثنا وتسامرنا..تطعمنا بيديها وتوزع علينا من الأطعمة الحلوة التى كانت تصنعها لنا بشكل خصوصى..
فى أحلك المواقف لم تكن أبداً لتغضب تلك الغضبة الشديدة..لا أتذكر أنها تركت المنزل فى يوم من الأيام..
كنا نعود من المدرسة لنراها كما هى تعد طعام الغذاء وترتب أمورنا..وحاجياتنا..
هل ياترى إختلفت أمهات زمان عن أمهات اليوم..هل صارت هناك نزعة أنانية وإحساس عالى بالشخصية فينا نحن أمهات اليوم..لست أدرى..؟
والأهم هو هذا السؤال الذى لا يزال يرن فى أذنى حتى اليوم ومن وقتها..هل كانت أمنا تحبنا؟؟
سؤال لا أستطيع الإجابة عنه بلسانى..ربما لو كان قلبى ينطق..لأطلق صرخة عذاب..

ندى