PostHeaderIcon من معين" ابن عطاء الله" العذب ( 1 )

اسلاميات - اسلاميات

jpgبدأ ارتباطى بالعارف بالله والتابعى" ابن عطاء الله السكندرى" منذ مراهقتى مع الكاتب الراحل الفذ صاحب القلم الرحيم "عبد الوهاب مطاوع".. ولأننى من هؤلاء الذين ربّوا إحساسهم على كتابات "عبد الوهاب مطاوع " الأثيرة والتى حفلت بالحكم والمواعظ والأقوال المأثورة لعظماء المفكرين والأدباء والفلاسفة وعلى رأسهم الصحابة فلا عجب من أن يحتل" ابن عطاء الله السكندرى" مكانة كبيرة وخاصة جداً فى عقلى وقلبى ..
وضع هذا العلاّمة بصمات على كيانى كله لا يمكن أن تنمحى..فعندما كنت أقرأ حكمة من حكمه كنت أشعر وكأن روحى العطشى ترتوى من شراباً حلالاً خالصاً...وخاصة أن المرحوم "عبد الوهاب مطاوع " كان ماهراً فى أن يجعل من حكم ابن عطاء بلسماً شافياً للقلوب المستعرة ألماً..فقد كان يوظفها فى سياق الحكى فى انسلالية حريرية متجانسة مع المعنى الإنسانى المراد نقله والإستدلال عليه
الحقيقة أن تفتح وعيى على الحكم العطائية جعل من عقلى وقلبى أدوات تسير على قضبان متوازية..لا يسبق أى منهما الآخر ..عززت فى كيانى ألا ينزلق القلب بعيداً عن العقل وألا يشطح العقل خارجاً عن إرادة القلب...هكذا كنت أحاول أن أمّرس نفسى..وهكذا تصنع دائماً الحكم العطائية ذات المنزلة السامية والراقية فى نفس كل من يداوم على قراءتها ...ارتقاء بالنفس وعلو بالهمة..
والمضى مع" ابن عطاء السكندرى"فى حكمه لا يمل أبداً..فإشراقاتها الروحية التى يحس بها كل من يقرأها تحقق له شىء من راحة الضمير والسعادة..تهذب من شظف النفس..وتجعلنا مع الله فى مرتبة يسقط فيها إعمال أى حسابات بشرية نتخطى بها المقادير المقدرة واعتبار أى تدبير آخر مع تدابير الله.
ولأن "ابن عطاء الله السكندرى" متصوفاً وواحداً من أبرز رموز الشاذلية التى تنتمى للصوفية ..الصوفية التى تتخذ من اللغة وسيلة أولية لأنها تعنى بالإشارات والمعانى والمضامين الربانية والروحانية فى الأساس..وأن المكنون فى الصدر لا يعرف إلا من خلال التواصل مع الله كما قال "الغزالى "(اهتديت بضوء قذفه الله فى القلب)..هكذا أفهم الصوفية ..أقول أنه لهذا السبب ولأنه متصوف لاقت نفسى تجاوباً تلقائياً مع حكمه وكتبه..
أشعر مع الله كثيراً بمرحلة يمكن وصفها بمرحلة الصمت أو اللاقول..مرحلة استغاثة يصعب التطابق فيها بين لغتى وعناصرها وما يقبع فى باطن نفسى من حب وتلهف ورجاء لله عزوجل ..وفى هذه الحالة لا أجد إلا مناجاة "ابن عطاء الله" التى توجه بها إلى الله لتعبر عن لسان حالى وتهذب من نفسى بعيداً عن الإختلافات والنزاعات اللفظية الشكلية ..ساقها بلغة سهلة خرجت صادقة متلهفة من قلبه الطرى حيث تنفذ إلى اللب والجوهر والذى محله الروح والتى هى من أمر الله..أذرف الدمع تأثراً بحالة التسليم الكاملة والعبودية لله وحده وصدق وإخلاص التعامل الذى تسكنه فىّ مع الذات الآلهية..أقوال ومناجات تخترق الكثافات التى قد تتراكم على نفوسنا من التداول فى الحياة ومن مجاهدتها ومسايرتها لتعيدنا إلى حالتنا الأولية الإنسانية والآدمية التى فطرنا الله عليها قبل أن تمسنا ألاعيب الحياة..
طوال عمرى أدين بالفضل للسليم القلب "عبد الوهاب مطاوع" الذى كنت أشعر فى كتاباته هو الآخر بالخلاص..والذى من خلال مشربه تعرفت والتقيت بالتابعين والعارفين بالله وعلى رأسهم "ابن عطاء الله السكندرى"..رحمه الله رحمة واسعة..
وكنت قد نويت منذ فترة لو أحيانى الله أن أؤرخ سيرة "ابن عطاء الله" فى عمل أحسبه بمثابة نهل ومعين ننهل منه سكينة واطمئناناً..وهاقد حان الوقت وكل شىء حقاً بمقدار..
ولسوف استعرض معكم فى البداية سيرة مختصرة "لابن عطاء الله " لكى يعرفه من لم يسمع به من قبل ثم نغتنم الفرصة ونتناول حكمه ..كل حكمه على حده مع شرح مبسط لكل واحدة ومحاولة إيجاد مرجعية واقعية حقيقية لمدلولاها ومفادها من حياتنا وما نقابله من قصص وحكايات ...
وبين الفينة والأخرى سأعرض لكم مناجاة من مناجاته تتعلق بها قلوبنا بالله ونناجى بها خالقنا ونعبر له عن حبنا له ولرسوله صلى الله عليه وسلم..