PostHeaderIcon أحلام..الجزء الأخير

ركن الثقافة - ثقافة

كان الجو هادئ للغاية مما جعل أحلام تشرد كثيرا، بدون إرادة وجدت نفسها تتذكر أياما مضت منذ عدة سنوات، كانت أجمل أيام عمرها. وجدت نفسها تتذكر أول ابتسامة خجولة لحبيبها، أول كلمة حب همست بها و قلبها يخفق بشدة كأنها مراهقة، شعورها عندما لمست يده لأول مرة ..

تذكرت أيضا قسوة كلماته عندما كان يٌنهي ما بينهما و إن كان الحزن غالب على صوته.لم تدري أحلام لم تذكرت ذلك الآن، ربما لأنها مُقدِمة على موقف صعب و مواجهة عسرة – بالنسبة لها على الأقل-ربما تريد أن تستمد الشعور بالأمان من مجرد تذكر تلك الفترة التي لم تُمحى من ذاكرتها حتى الآن.
هزت أحلام رأسها و كأنها تريد ان تنفض تلك الذكريات عن مخيلتها. لتتمتم قائلة: ركزي يا أحلام. ذلك الموقف بمثابة اختبار حقيقي لنفسك .
استمرت أحلام في روتينها اليومي المعتاد..اليوم يلي الآخر، و كان أصعب ما تمر به عندما تدّعي حوار لطيفا مع محمود، لم تنس المكالمة الهاتفية التي استقبلتها من النقيب عبد الرحمن الذي رتّب معها ما سيحدث في نهاية الأسبوع عندما تقابل محمود لتحتفل معه- حسب ما تدعي- بموافقتها الارتباط به.
و كلما اقترب الموعد كلما زادت خفقات قلبها . حتى استيقظت صباح الخميس مندهشة للغاية من حالها. كانت احلام تشعر بهدوء عجيب و استقرار نفسي لم تتوقعه. ذلك بخلاف النوم العميق الذي غرقت فيه من اليوم السابق.
و ارتسمت على وجهها ابتسامة رائعة و هي تنظر لنفسها في المرآة لتجد وجهها مشرقا منيرا فقالت: ما بك يا أحلام!!هل تأتي صحتك على المغامرات أم ماذا؟؟
و بدأت يومها في همة و نشاط و لم تنسى أن تخبر واليها بموعد هام للغاية عليها أن تنجزه في المساء.و قبل أن تذهب لمدرستها اتصلت في الصباح الباكر بالنقيب عبد الرحمن لتعيد معه الخطة كما اتفقا عليها.
كان يومها الدراسي رائعا،مليئا بالفكاهة و الضحك. استقرار حالتها و هدوئها الفطري خدمها للغاية، فقد اعتقد محمود ان سعادتها تلك مرجعها عشائهما معا الليلة.
و جاء المساء لترتدي أحلام أجمل ما عندها. و لتطل في هيئة مبهرة للغاية و ترتسم على وجهها ابتسامة واثقة سعيدة. و استقلت سيارة الأجرة لتذهب في موعدها المحدد.و يستقبلها محمود بحلة انيقة، و يتبادل معها حديث ماكر أدارته أحلام في براعة شديدة. فكان حديثها معه مزيج من الدلال الأنثوي الرقيق و الذكاء الشديد حتى تصل معه بالحديث إلى ما تود الوصول إليه من خلال معاتبتها الحانية على أسلوبه في الفترة السابقة.
لم يتردد محمود لحظة واحدة في أن يقدم المبررات الزائفة و يستنكر قولها أنه كان يهددها أو يبتزها .حتى وصل الحديث إلى ما تريد أحلام. لتختمه بمهارة و براعة تحسد عليها.
و يقع محمود في الفخ المنصوب له بكل سذاجة لتكون صدمته شديدة حين يقتحم النقيب عبد الرحمن المكان في هدوء..ليطلب معه التقدم دون إثارة الجلبة بعد اعترافه الصريح بتبديد العهدة.و أن كل الحوار مسجل. لم تعرف أحلام سر لمعة عينها.و فرحتها الشديدة.و رغم صمتها إلا ان شعرت ان الجميع ينظرون إليها و يسمعون صيحات الفرح و الانتصار العالقة في حنجرتها.
تلك الثقة التي اندهش لها كثيرا النقيب عبد الرحمن. و أبدى دهشته تلك لها بعد انتهائه من أخذ أقوالها و حبس محمود على ذمة التحقيق.
فكان ردها على عبد الرحمن: لا اعلم..صدقني لا أعلم..أنا شخصيا اندهشت لتلك الحالة كثيرا.و لكن يبدو أن ذلك الموقف كان بمثابة تحدي كبير، و اني كنت شديدة الفضول لوضع النهاية التي ترضيني أمام نفسي أولا.
و استطردت قائلة بابتسامة سعيدة: لا تنكر اني تفوقت على نفسي و مثّلت دوري ببراعة شديدة.
كانت تتوقع منه ردا تشجيعيا، و لكنه رد في هدوء و هو ينظر إلى عينيها مباشرة: كنت أروع و أجمل مما توقعت.
كانت لهجته الحانية و صوته المنخفض سببان كافيان لأن يعلو وجه أحلام حمرة الخجل و تضطرب ملامحها. فتسرع بإدارة دفة الحوار بعيدا قائلة: حسنا عبد الرحمن، سأضطر إلى الانصراف الآن، و سعيدة جدا بالتعرف عليك.
و مدت يدها لتسلّم عليه، فأخذ كفها الصغير بين يده قائلا بهدوء: سنلتقي ثانية أحلام..تاكدي من هذا.
خفق قلبها بقوة، و أسرعت تهرول بعيدا و كانها طفلة صغيرة، و ارتسمت على وجهها ابتسامة رائعة خجولة.و هي غير مصدقة لما تشعر به.كانت تعتقد في وقت ما أن ذلك الخفقان لن يحدث لقلبها ثانية، و تلك الأنفاس المتلاحقة لن تتنفسها مجددا..و ذلك اللمعان في عينيها لن يكسوها مجددا.
و لكن ها هي ذا.تشعر به..ذلك الشعور الذي تحس معه أنها طائرة و ليست تسير على الأرض.
لم تعلم كيف ذهبت إلى بيتها على قدميها، حاولت مرارا ان تخفي ابتسامتها، و لكن فرط فرحتها كان أقوى من أي شئ.
و على مدخل عمارتها ارتطمت أحلام من فرط عدم تركيزها بشخص كان يخرج من نفس العمارة التي تعيش فيها.، فاعتذرت له قائلة: اعتذر كثيرا فلم .....و بترت عبارتها فجأة ، عندما نظرت إليه..كان هو..حبيبها السابق.

صمتت أحلام..و صمت هو، كان كل منهما يلتهم الآخر بعينيه..شوق..أم حنين..أم عتاب..أم ندم؟؟ لم تعلم أحلام..و لن تعلم أبدا
بل هي تثق أن ما شعرت به طوال لحظات الصمت كان مزيجا من كل المشاعر السابقة. ظلت صامتة، حتى قالت في هدوء: حمدا لله على سلامتك
رد وهو لا يقوى على النظر إلى عينيها: سلمك الله..أحلام أنا..
قاطعته: بهدوئها و. رقتها قائلة: ما أتى بك إلى هنا؟
قال لها: أحلام..لقد ارتكبت حماقة عمري كله حين تركتك..تعلمين أني أحببتك كثيرا، و لكنى وقتها شعرت أنه لم يكن الحب الكافي القدر الذي معه أستطيع أني أمضي في الحياة قدما معك..نعم، اعترف..أحببت نفسي أكثر..أحببت طموحي أكثر..أحببت المال أكثر.لم أعطك الفرصة الكافية كي تكوني لي السند الذي يعينني على حياتي. أقسم لك لم أنسك يوما. ظلتي معي طوال السنوات الماضية و عندما وصلت إلى كل شئ. و حصلت على كل شئ.، اكتشفت أن لا شئ في العالم أجمع يستحق أن أفرّط في حبي.كلما تعاملت مع الناس من مختلف أنحاء العالم، كان حبك يزيد. حتى و أنت غائبة، لم أنس يوما ضحكتك الصافية و طيبة قلبك و نقاء روحك. أحلام..سامحيني..أرجوك.
استمعت له أحلام صامتة تماما تنتابها مشاعر كثيرة. و مع انتهاء حديثة ظلت صامتة لعدة دقائق، ثم رفعت رأسها إليه بابتسامتها الرقيقة..تلك الابتسامة الي غرست الأمل في قلبه اليائس لتقول له:
ما أجمل كلامك..صدقني..انتظرت سنوات كثيرة كي أستمع إلى تلك الكلمات. أنت لا تعلم كم الألم الذي سببته لي.و لكن لا مجال الآن لذكره. نعم أحببتك..أحببتك فوق طاقتي و طاقتك،أحببتك حتى أثقلت عليك بحبي.و جعلتك تعتقد أني سأكون عقبة في حياتك..لم تستطع أنت أن تتعامل مع كم اهتمامي و حبي.و لم أستطع أنا أن أمنع نفسي منهم.و لكن دعني أعترف لك بشئ..بعد فترة ليست بقصيرة من فراقنا بدأت ذكريات حبي تلك تأخذ منحنى آخر.رويدا رويدا وجدتني عندما ابتسم متذكرة فترة حبي لك..تكون سبب الابتسامة هي حالتي الرائعة التي كنت أعيشها في هناء حبك. لا أستطيع أن أنكر أني عشت معك أجمل فترات حياتي. و أروعها، حبك أعطاني الفرصة لإظهار أجمل ما في..نعم..جعلني أرى أحلام بصورة لم أكن رأيتها من قبل.تحوّل إخلاصي لذكرياتنا هو إخلاصي لحالة حب ..لمفهوم شوق..لمعاني عشق..و ليس لك.
أعتذر إن جرحتك..و لكن تلك هى الحقيقة، تجاوزتك بعد صعوبة بالغة، و لم و لن أندم للحظة على حبي لك..و لكن الآن و بعد تلك السنوات. أراك مختلفا، لست حبيبي. آسفة
أنهت أحلام حديثها و أسرعت إلى بيتها متجاهلة المصعد. لتسرع على درجات السلم.تاركة حبيبها السابق الدموع تغرق عينيه. في نفس اللحظة الذي يرتفع فيها صوت هاتفها الخلوي..و تعلو الشاشة اسم" عبد الرحمن" ..و كأنه أمامها .و حين همت أحلام بالرد على الهاتف..كانت تعلم انها بالضغط على زر الموافقة باستلام المكالمة..ستوافق أيضا على بدأ مرحلة جديدة في حياتها..و حب جديد

و السلام ختام

بقلم

د / إيمان الشامي