PostHeaderIcon مذكرات قاهرية(4)

ركن الثقافة - ثقافة

jpgمذكرات قاهرية (3) السبت 29/يناير/2011م

لا أدري ما إذا كانت هذه المذكرات تدور حول الكاتب نفسه أم حول الأحداث أم حول مصر ؟ وأفضل أن تكون الإجابة نسبية بحسب ما يرى القارئ ، وللعلم فقط فإن أدب المذكرات يندرج تحته أدب يسمى الاعتراف / المكاشفة ويختلف هذا الأدب بين مدرستين ،الغربية التي تعتمد على تعرية كل العيوب والأخلاق والأفعال الفاسدة متأثرة بطريقة الاعتراف الكنسي ! ، و المدرسة العربية الإسلامية المحافظة فإنها تعترف بالخطأ وتراعي الدين من خلال أحاديث ستر العبد على نفسه في بعض ما يقترف من ذنوب ومعاصي قد سترها الله عليه ، وفي هذا الصدد يقول ابن عقيل في تباريح التباريح ((يفترض في كاتب السيرة الذاتية أن ينقل الحقيقة عن حياته ، والواقع الذاتي لنفسه وبيئته من خلال الأحداث الخارجية... إلا أن هذا المطلب عسير جداً قد يكون متعذراً-وذلك أكثر من متعسر عند الشرقي المسلم الذي أوصاه ربه بالستر على نفسه إذا ضعف ، وأن يطلب الستر من ربه في حياته ويوم يقوم الأشهاد)) .

قد يقول قائل ولماذا هذه المقدمة الفلسفية ، فأقول للفائدة رحمك ولأخبرك في الخفاء أن ثمة أشياء حدثت لا يمكنني البوح بها إما للعرف الاجتماعي أو لاعتبارات قد اتخذتها سلفا.
صباح السبت بعد الساعة الثامنة والذي انتهى بنهايتها حظر التجوال ، كان الجو هادئاً جداً والجميع يرقب المفاجآت بعد الصراعات الدامية في جمعة الغضب ، تناولت الإفطار وعند العاشرة نزلت وتمشيت على النيل قليلاً ثم عدت للفندق فوجدت صاحبي /شريكي في مظاهرات الأمس ، وهو رجل فاضل حضر إلى مصر لتقديم رسالة الماجستير والرسالة في شخصية فقيه مالكي ربما كان من المغرب لا اذكر ولكن الأحداث أخرته ، لديه نزعة إخوانية واضحة المعالم في شكله وتصوراته وحتى في حديثه عن الإخوان المسلمين في مصر حين قال لي تم اعتقال ثمانية من مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان يوم أمس الجمعة ، قلت له وأنا جاهل بشناعة الحدث ، و هل هي المرة الأولى أصلاً هذه الجماعة شماعة لأي حدث سيء في مصر تستخدمها الأحزاب الحاكمة في مصر منذ جمال عبدالناصر.
فقال هل تدري ما معنى اعتقال ثمانية من مكتب الإرشاد ؟ هذه أعلى سلطة في حركة الإخوان في مصر، وثبت لي أنه من الإخوان عندما احتفوا به الإخوة في التنظيم هناك في ميدان التحرير.
وهذه الحركة أي حركة الإخوان المسلمين حركة أسسها الشيخ حسن البنا رحمه الله في مصر بعد الفراغ الذي عم بلاد المسليمن بعيد سقوط الخلافة العثمانية ، وهي أقرب ما يقال عنها حركة الإسلام المدني في ذلك الوقت فدعاتها يختلفون عن مشائخ الأزهر في الطرح والهندام والشهادات العلمية في ذلك الوقت ، كتب لها الانتشار في مصر ودخل فيها أفواج من المصريين من الأرياف والمدن وحين اغتيل حسن البنا انكسرت الجماعة ، لتنشق عنها عدة جماعات بحسب ردود الأفعال لما طالهم من التعذيب والتنكيل على يد الناصريين .
وسرت هذه الدعوة فامتدت حتى الهند شرقاً ، لتقوم هناك حركة للإخوان المسلمين وأصبح في كل دولة جزء من هذه الحركة ، ثم بعد فترة أصبح لكل حركة من هذه الحركات أدبيات مختلفة عن الحركات الأخرى بحسب الموطن وطريقة تعامل الحكام ، وهاهي اليوم تحقق مكسباً عظيماً لها باندلاع ثورة الحرية في مصر بعد نصف قرن من الحظر لها كحزب ومن الاعتقالات العشوائية التي يتبنها الحزب الحاكم ، ويقال والعلم عند الله أنهم أي حركة الإخوان المسلمين قدموا للسعودية وطلبوا من الملك عبدالعزيز رحمه الله أن يسمح لهم بفتح مكتب لهم في السعودية يستطيعون من خلاله ممارسة نشاطاتهم ، فقال لهم كلنا إخوان وما يحتاج مكاتب !، وبقيت هذه السياسة حتى يومنا هذا بالنسبة لمنع أي تكتلات أو أحزاب داخل المملكة العربية السعودية ، لكنهم حاولوا ممارسة دورهم من خلال الجامعات والمدارس في نشر فكرهم داخل السعودية ، وذلك من خلال سيناريو طويل ومعقد جداً ، أما الإخوان في الكويت فهم يتمتعون بحرية الحركة والتنظيم من خلال جمعية الإصلاح التي أسست في السبعينات الميلادية ، وعلى هذا ينبغي لنا أن نفرق بين إخوان الأردن وأخوان مصر أو تونس أو حتى السودان في الأدبيات على الأقل أما الهدف فواحد على ما أظن .
أعود لمحور الحديث ، قال لي صاحبي ما رأيك أنتمشى في الزمالك فأنا أعرف المنطقة جيداً وقد سكنت هنا كثيراً ، فمضينا نتجول في حارات ذلك الحي ، به مباني قديمة وجميلة وذات طابع معماري جميل ، تكثر السفارات بما يسدل عليك نوعاً من الأمان كون الحي دبلوماسي ، ومما لفت انتباهنا مكتب سياحي قد احترق بالكامل فلما اقتربنا وأخرجت الكاميرا لأصور بادرني صاحب المحل بقوله ، (دا سلك كهرباء ضارب ما لوش دعوى بالمظاهرات) فابتسمت وأعدت الكاميرا لمكانها .
في طريق العودة كنت أبحث عن حلاق فوجدنا محلات الحلاقة مغلقة ذلك اليوم ، وقلت له أنا أرغب في تناول قهوة سوداء في هذه المقهى وأشرت إلى مقهى شعبي قد حشر بين محلات تجارية مساحته خمسة في ستة تقريباً ، ولجت للداخل واق تعدت مكاناً في منتصف الحائط الأيسر وبجانبي رجل مسن قد قبض على خرطوم الشيشة وأخذ يعب من دخانها حتى لتكاد عيناها تجحظ من قوة العب ، ثم يرفع رأسه للأعلى وينفخ ما امتلأت به رئته المتهالكة كما وجهه الذي عرته السنين ورسمت بدقة تجاعيد ربما كان أبرزها الفقر والظلم .
في المقابل جلس رجل في العقد الثالث من عمره كان يرفع صوته بشتم حسني مبارك وحاشيته ، ويتحدث لصاحب القهوة ، وقال فيما قال (أنا لو يمسكوني البلد دي ساعة بس ،احرق كل العواجيز اللي في البلد) وبجانبي آخر يشير للمسن ويغمز للمتحدث بأن يراعي مشاعره ، فقال ذاك ( دا أولهم !).
أما المسن فكان يتابع قناة الجزيرة والتي تطل على الجميع من شاشة تلفاز صغير في أعلى إحدى زوايا المقهى.
وهنا اقترب مني النادل بثيابه الرثة وقال لي : تشرب ايه يا باشا ؟ وهم يعتقدون أني مصري لأول مرة أحضر لهذا الحي ، حيث أني لم أتحدث وهندامي لا يتبين منه أني سعودي كما قلت لكم في الحلقة الأولى في اجتماع عدة دول في شخصي الكريم!
فقلت قهوة سوداء وهنا علم أني سعودي , وأثار ذلك دهشته ، وكان لابد من الدخول معهم في حديث إذ أن صاحبي قال لي أنه سيجري مكالمة ويأتي ولكن طالت مكالمته في الخارج فلم أجد بداً من الدخول في المعترك النقاشي الحاصل بينهم فتحدثت عن بعض المعلومات المهمة مما جعلهم يلتفتون إلي ومن ثم الاقتراب لسماع ما أقوله ولوهلة شعرت أنني مصري ، وسألني أحدهم ((أنت بتدرس هنا)) فقلت لا بل جئت زيارة ، كان الحديث رشيقاً جداً والعلاقة رائعة وطلب مني صاحب القهوة رقم هاتفي بعد أن التقطت عدة صور تذكارية معهم ، ولما جاء الحساب أقسم أن لا أحاسب وأقسمت أن أدفع الحساب فقال لي النادل متحرجاً (اثنين جنيه) وأنا بالأمس فقط شربت قهوة في مقهى متحضر أسفل الفندق كلفتني 33 جنيه! و لك أن تتصور الفرق في الراحة النفسية والاقتصادية.
بعد ذلك عدنا للفندق وسألنا الاستقبال عن الاستاذ نواف القديمي ما إذا وصل فأخبرونا بوصوله قبل ساعة ، ونواف هذا باحث في الفكر ويهتم بقضايا الحرية والديمقراطية ، ويصنف على أنه مفكر إسلامي كما يصفه البعض ويصفه البعض الآخر بالتنويري أما أغرب ما قيل لي عنه أنه في البرزخ ! ، أبرز نتاجه كتاب (أشواق الحرية) وله جداريات ومذكرات ولوحات بيروتية وقاهرية وتونسية ومغربية وفيها من الظرافة والطرافة والفائدة الشيء الكثير, وقد اقترحت عليه سابقاً أن يكتب مذكرات صومالية إبان الحرب هناك .
وكنت قد اتفقت مع نواف قبل ذهابي لمصر أن نلتقي هناك .
قلت لصاحبي أنا أريد أن أتناول وجبة نوم لمدة ساعة تحفزني بقية اليوم ، وحتى هو كان ينوي القيام بذلك فصعدنا هو وأنا كل في غرفته ووضعت رأسي على الوسادة ولما أن بلغ مني السهاد عتبتي رن الهاتف وكان المتصل أبا فهد يخبرني بأن نواف وبقية الشباب في ميدان التحرير ويريد الذهاب إليهم فقلت له اذهب أنت وسأتبعكم بعد ساعة تقريباً وطلبت منه إيقاظي ، وأغلقت الهاتف وألصقت خدي بالمخدة طالباً من النوم العودة بعد أن طرده رنين الهاتف واستعصى علي كما استعصت مصر برمتها على ظلم الحزب الحاكم ، وأخذت أتقلب في فراشي قرابة النصف ساعة ، ثم نهضت وقلت اذهب وأشارك أصحابي الاعتصام خير لي من رقدتي هذه ، فقمت ميمما كلي نحو ميدان التحرير ، واتصلت بهم فأخبروني أنهم عائدون من الميدان وسيغتدون في يخت قد رسا على النيل فذهبت هناك قبلهم فوجدته مغلقاً وهو وبقية المطاعم المجاورة له بسبب المظاهرات فعدت وأخبرتهم بالخبر .
بعد ذلك التقينا في مقهى على زاوية الشارع الذي نسكنه وأمامه في جزيرة مرصوفة شيد تمثال لأم كلثوم ، وهو التمثال الوحيد الذي رأيته لامرأة بين التماثيل التي شيدت في ميادين القاهرة فميادينهم على أسماء أعلام إما فكرية أو أدبية أو نضالية .
وليد وبلال وعلي كانوا بصحبة نواف ومحمد العجمي وأنا في ذلك المقهى , بعد أن تناولنا بعض المشروبات الساخنة والباردة كل بحسبه ، توجهنا نحو ميدان التحرير .

حسناً بقية اليوم سأخبركم به في المذكرة القادمة .


تتمة يوم السبت

كنا ستة أشخاص كلنا من السعودية غير واحد من الكويت ، انقسمنا لجزأين كل ثلاثة في سيارة ، وتوجهنا نحو الميدان حيث الاعتصام ، قبالة قصر جسر النيل المؤدي إلى ميدان التحرير وقد وضعت حواجز أمنية تمنع دخول السيارات إلا النادر منها ، فتوقف ساحب الأجرة وقال لنا انزلوا لا أستطيع الدخول فنزلنا وكنا مضطرين للمشي لمسافة لا بأس بها أخذ سيرنا قرابة الثلث ساعة ، دار نقاش أثناءها بيني ونواف القديمي عن توجه الإصلاح السياسي والذي يتبناه نواف القديمي بقوة ، وبعض من يعارضهم في كثير من أفكارهم من الدعاة في السعودية ، وعن سجالاته مع إبراهيم السكران ، وعلمت أنه أي إبراهيم السكران كان صديقاً لنواف القديمي ولا أدري ما إذا كان لا يزالان على ذلك في ظل الاختلاف المتباين بين خطاب القديمي المدني وخطاب السكران السلفي ، وكان حديث نواف شيقاً جداً بحيث قطعنا المسافة دون شعور وقال لي الليلة نخوض في هذه الأحاديث براحتنا دعنا الآن نعيش الموقف هنا فقلت كما تشاء .
وصلنا ميدان التحرير والجموع قد ضاق بها المكان ، والهتاف يعلو ويهبط ، وعلى يسارنا مبنى الحزب الحاكم يحترق والدخان الأسود يعتلي سماءه كسواد الحزب الحاكم وسواد مستقبله ، وعلى اليمين مبنى التحرير الذي يضم غالب الدوائر الحكومية ، وللعلم فإن ميدان التحرير هذا شهد أول حزمة من النسوة في مصر قمن بنزع الحجاب هناك أمام الجيش البريطاني ! وكانت أبرزهن زوجة سعد زغلول !
أما الآن وبعد هذه الأحداث فيستطيع المراقب أن يسميه بحقيقته ميدان التحرير .
رائحة الحرية نثرت جمالها في الميدان الجميع يطالب بحقه الرجل والمرأة والأطفال ، كل طبقات المجتمع اجتمعت تحت سقف واحد ، خبز حرية عدالة اجتماعية ، انخرطنا بينهم والتحمنا بهم واندمجت الهموم وأصبحت القضية واحدة لا فرق بين مصري وغيره ، وهكذا القيم العليا دائماً هي محل شراكة بين العقلاء من
الأمم .
حاول بعض المتظاهرين اقتحام مبنى وزارة الداخلية القريب من الميدان ، وكان بين الفينة والأخرى يؤتى بجنازة إثر الاشتباكات مع رجال الأمن . ويصلى عليهم في الميدان دون تغسيل ولا تكفين .
اجتمعت قيادات الأحزاب المعارضة وقيادات الشباب الثائر والكثير من المثقفين والأدباء وعلماء الدين،في ذلك المكان .
التقطت بعض الصور التذكارية قرب إحدى الدبابات وفي وسط ميدان التحرير ، والتقطت صوراً لبعض مركبات الأمن قد أحرقت بالكامل .
مهما وصفت فلن يتصور أحد مدى العزيمة والصبر في قلوب المعتصمين ، وثورتهم نحو الحرية والتخلص من الطغاة .
وقد سألت الكثير منهم على فكان الجواب صارماً ( لن نتحرك من هنا ولو ضربونا ولو متنا )
بعد انسحاب الأمن يوم السبت وخروج الكثير من المساجين وانقلاب كثير من الأمن إلى (بلطجية ) ، دب الرعب في قلوب المواطنين ، وكنت أثناء ذلك في الميدان لا علم لي بما حدث ، وقد بدأ حظر التجوال الساعة الرابعة مساء.
عند الخامسة والنصف تقريباً قلت لأصحابي أنني أود العودة للفندق وكنت أشعر بإرهاق ، لأني لم أنم ليلة البارحة جيداً وقد استيقظت منذ الصباح الباكر .
فخرجت متجهاً نحو جسر قصر النيل والذي سد بدبابات من الجيش ، سرت قرابة ثلاثة كيلوات حتى بلغت الطرف الآخر من النيل وهناك مكثت قرابة الربع ساعة حتى جاءت سيارة أجرة فركبت وقلت له الزمالك ، وأثناء سيرنا أخبرني أن الأمن انسحب من كل مكان بأمر من وزير الداخلية ، وأن الكثير من المساجين هربوا والبلطجية بدؤوا النهب والسرق في كل مكان ، وهنا تحولت النشوة في داخلي من فرح بالوصول إلى الحرية إلى خوف من بطش هؤلاء وسكاكينهم وسواطيرهم .
كانت الشوارع خالية ، وطلق رصاص حي يقرع آذاننا أثناء السير ، عم صمت رهيب داخل السيارة ، رأيت الفندق وقبله بنصف كيلو تقريباً وجدنا حاجزناً مكون من شباب ورجال بسكاكينهم وسواطيرهم والهراوات توسدت بواطن أيدي بعضهم وأشاروا للسائق بالوقوف وهنا تسمرت في مقعدي وسلمت نفسي للموت مقدماً خاصة مع الصرخات التي أحاطت بنا .
وقلت في نفسي هكذا هي النهاية ، ولو أنك بقيت في الميدان لكان خيراً لك .
ولكن أحدهم اقترب من السائق وقال له الطريق مسدود ونحن قمنا بتأمين مدخل الحي من هذه الجهة ، وهنا تنفست الصعداء ولم أتلكم بكلمة ، ونزلت وحاسبت السائق ، ومشيت بجانبهم بي توجس وسرت حتى وصلت الفندق وبجانب الفندق وجدت حاجزاً أمنياً مكون من الأهالي وقد تقسموا إلى عدة أقسام كل قسم منهم يحمي مدخلاً من مداخل الحي لأن البلطجية يهجمون على الأحياء بالعشرات . ويبلغ عددهم المائة أحياناً .
استفاد ثوار مصر من أخطاء الثوار في تونس وقاموا بتشكيل لجان شعبية في غضون ساعة تحمي الأحياء ، وقد وقفت معهم لأحمي الفندق لمدة نصف ساعة حتى قام أحد موظفي الفندق بطردي إلى غرفتي قائلاً لي ( أنت مالك اطلع لغرفتك أحسن لك ) وكانت فرصة لي لأذهب للغرفة وأتناول شيئاً من الطعام ليقيني شر الجوع الذي اقتحمني ، ولكن المطعم كان مغلقاً وجميع المطاعم في الخارج مغلقه وكل شيء مغلق .
ونزلت لأسأل عن شيء آكله فرآني أحد الأصدقاء وهو ليبي فقال لي يوجد في غرفتي خبز وجبن تعال وخذ ما يكفيك ، فذهبنا أنا وهو ورجل آخر من ليبيا للتو تزوج من فتاة يحبها وتحبه ، وتناولت بعض الخبز مع الجبن على استحياء وسط مناقشة حادة بين الاثنين في ما يحدث وما سيحدث وما مصير مصر ومصرينا نحن .
ثم أخذت أرقب الحدث من النافذة وهنا هتف بي صوت من الأسفل( (أبومحمد) تغديت)؟ كان ذلك صوت صاحبي في العتمة أبو فهد فقلت يعني فقال أنا ذاهب لأبحث عن طعام ، فقلت له انتظر سأصاحبك وكان خريتاً يعرف الحي جيداً فمضى بنا نحو فندق قريب يدعى فلامنكو وهناك تناولنا الطعام وعدنا للفندق وقد عاد أصحابنا من الميدان راجلين وجلبوا معهم بعض العصائر والحلويات وما خف من الوجبات كذخيرة احتياطية في ظل الحظر المتزايد للتجوال .
اتصلت بنواف وقلت له أنتم تسكنون في الطابق الأول وستكونون فريسة سهلة للبلطجية تعالوا عندي في الطابق الخامس عشر وإن نمت نمت سوياً وفي غرفة واحدة فضحك وقال حسناً سنأتي بعد قليل .
اجتمعنا في غرفتي على الشرفة , وأخذنا نسمر ونتابع الأحداث من على الشرفة حيناً ومن شاشة التلفاز عبر قناة الجزيرة حيناً آخر ، وكانت الجلسة جميلة ولم تخلوا من دعابة ومرح ، وحديث حول الثورة ومآلاتها.
انفض المجلس عند الحادية عشر مساء وعاد كل لغرفته وعدت أنا لفراشي واستلقيت ، عند الثالثة فجراً جائتني رسالة من أحد الأصدقاء في السعودية تخبرني عن أرقام خصصتها السفارة السعودية في مصر للجالية هناك ، وذلك بعد أمر خادمين الحرمين الشريفين حفظه الله بنقل كل سعودي وسعودية عالق في مصر على متن الخطوط السعودية وبلا مقابل .
وعند الخامسة فجراً اتصل بي الشيخ عبدالله الصميعي صاحب دار الصميعي للنشر ولتوزيع والحق أن هذا الرجل تفضل علي كثيراً بكرمه أثناء رحلتي تلك ، أخبرني بطريقة العودة من خلال الذهاب لفندق جي دبليو ماريوت ومن ثم يتم نقلنا للمطار والعودة للوطن .
وهناك رأيت بعيني كيف يدير مسئولو السفارة الأزمات بعشوائية متناهية في التخبط .

بقلم\أحمد العسيلان