PostHeaderIcon حملا كاذبا في حب مصر

ركن السياسة - سياسة

jpgالمراقب لحركة السوق السياسي المصري منذ اكثر من ثلاثين سنة مضت يلحظ تناقص مستمر في حركة هذا السوق السياسي في اتجاه بناء الدولة العصرية أو دولة المؤسسات .
وحتى الحلم الرمزي الذي بناه السادات لدواعي تقليد النموذج

الغربي والهروب من ميراث عبد الناصر ثقيل الحمل وكثير التكلفة في الأرواح والأموال وكذلك اعادة كتابة التاريخ استغلالا لظروف المباغتة العسكرية لإسرائيل وبعثا لشخصية المحب لبلده حينما حاول تكريس شكل دولة المؤسسات في الأحزاب والقضاء والصحافة والاقتصاد ، حتى هذا الحلم الرمزي بدأ يتلاشى ويتجمد شيئا فشيئا بعد اغتياله وكأن الاغتيال جاء فرصة للتخلص من أحلام السادات العصرية التي لم تتحقق إلا رمزا وشكلا صوريا ، ومع هذا جعلتنا هذه الأيام نعيش في حنين إلى هذا الشكل وهذه الحالة من النشاط والحيوية السياسية التي بدت عليها مصر رغم أنها ليست مثالية ولم تكون .

إن البشارة التي عاشت مصر من اجلها آلاف وآلاف السنين منذ فجر تاريخها وحتى الآن بقدوم مولود حر قوى يحمل لقب حب مصر تشبه صورته صورة إنسانا غربيا حرا وقويا وطليقا في أن يحيا حياته كما أرادتها فطرته وكما تدفعه اليها كوامن نفسه ، هذه البشارة لم تعش طويلا ليستمتع بها المصريون ، وانما وأدتها وقضت عليها في مهدها هواجس الأمن والحفاظ على الحكم والسلطة والنفوذ وكوابيس الاغتيال السياسي وصعود التيارات الدينية، وظهرت أسلحة قتل البشارة مخيفة مفزعة من نوع قوانين الطوارئ وعودة المعتقلات وسلطة البوليس والعسكر .

للمرة المليون في تاريخ مصر يلمع من جديد نجم القطب الأوحد والحاكم الأوحد والنظام الأوحد في سماء مصر ، وبات النجم الأوحد يتعامل مع أحلام الحرية بخوف شديد وذعر من الاقتراب من هذا الشيطان المتمرد الذي سوف يسحق العادات والتقاليد وكلاسيكيات حكم الشعوب البدائية الجاهلة المغلوبة على أمرها واجبرت الكثيرين من الحالمين المحبين لمصر على الكفر بها واليأس من أن تمطر سحابات الحرية على ارض مصر المحروسة ، وازداد كاّبة ويصيبني الغثيان كلما مررت في طريق الذهاب والعودة بشوارع المحروسة على لافتات الكذب والخداع والنفاق والوعود البراقة بالأفضل والارقى والأحسن للمصريين في موسم الانتخابات التي تعيد إلينا نفس الوجوه التي تتصارع للدخول إلى قاعة مجلس الشعب بنفس الكلمات وكأن من سيذهب للإدلاء بصوته – إذا ذهب أحد – لن يتذكر هذا الوجه ولن يتذكر هذه اللافتات وهذه الكلمات التي يحفظها الخطاطون والرسامون عن ظهر قلب .

إن المشكلة ليست في تسمية نظام ولا في تغليب فترة حكم على أخرى فكلها تشبه كلها ولكن المشكلة في رضوخ المصريين لنمط حكم لم يغادرهم الاف السنين منذ أن أصبحت هذه الأرض تسمى مصر .

سنوات وسنوات يتتابع المصريون وبملل شديد ويأس اشد في تسليم المستقبل كما هو بلا تغيير إلى الأجيال التي تليهم ، ويذهبون هم في حزن وصمت رقودا تحت ترابها وارضها وكلهم حسرة في انهم لم يستطيعوا أن يحيوا فوقها أحرارا بل ومما يزيد من سخرية الأمور انهم يرقدون تحت أقدام أبنائهم الذين يشاركونهم السكنى حتى في هذه الأمتار القليلة من الأرض .

فترات قصيرة جدا تلك التي استيقظ فيها المصريون على بشرى قدوم وليدهم الحر الذي يعطى لكل فرد فيها نفس الحقوق في الاستمتاع بالحياة في بلاده حرا وبالمشاركة في حكمها وادارتها وتوزيع ثرواتها معلنا بذلك حبه لبلاده مصر المحروسة التي تملك من السحر والتأثير والنفوذ ما يجعلها درة تاج الأمم ولكن للأسف كانت هذه البشرى وما تزال وبفعل فاعل في كل مرة وحين الحاجة إليها حملا كاذبا في حب مصر .

ربما سيأتي اليوم الذي تحمل فيه مصر بوليدها الحر حقا وفعلا وستضعه بعد صبر طويل ومحاولات مخاض عسير استمر آلاف آلاف السنين عانت فيه ملايين الملايين من أبناءها المقيدين المساكين من قتل كل جنين من أبناءها توسموا فيه قدرته ورغبته على بسط الحرية والعدل على كل ارض مصر المحروسة وسينجو في هذا اليوم هذا الوليد من القتل والوأد وسيحمل بلاده وبلادنا لاول مرة في تاريخها إلى جنة الحرية الأرضية الجميلة ، ربما .