PostHeaderIcon الثورة المصرية، والحرس الجديد.

ركن السياسة - سياسة

jpgتعيش مصر هذه الأيام أصعب فترات تاريخها الحديث على الإطلاق، فالمرحلة الحالية أخطر حتى من فترات الحرب التي عرفتها مصر في القرن الماضي، إذ أن الحروب التي خاضتها مصر تميزت بوحدة الصفوف واتضاح الرؤى وتحديد العدو، بينما الفترة الحالية تتميز بالضبابية السياسية والفراغ الدستوري الذي خلفه عدم تعيين شخصية سياسية لتولي منصب رئيس الجمهورية وعدم الإعتراف –شعبيا- بمجلس الشعب، فانسحاب رئيس الجمهورية محمد حسني مبارك من منصبه يعتبر بمثابة الإستقالة، لكن تلك الإستقالة لم تمر على القنوات القانونية التي تنص عليها المادة 83 من دستور جمهورية مصر العربية وهي توجيه كتاب الإستقالة إلى مجلس الشعب، واختار الرئيس الإعلان عن استقالته (أو تنحيه كما أراد البعض تسميتها أو الخلع كما يسميها آخرين) بواسطة نائبه عبر وسائل الإعلام، وهنا نتساءل عن دستورية هذا الإجراء كما نتساءل عن سبب عدم تطبيق المادة 84 من الدستور بتعيين رئيس مجلس الشعب أو رئيس المحكمة الدستورية العليا في منصب رئيس الجمهورية وعلى عدم إجراء انتخابات رئاسية في ظرف 60 يوما كما ينص عليه الدستور.

في الواقع، وتحت ضغط الشارع المصري وكنتيجة للثورة، فقد توقف العمل بالدستور في المادة 82 التي تنص على إمكانية تولي نائب الرئيس لمهام الرئاسة.

إنها الثورة، أوقفت العمل بالدستور، واختارت تسليم تسيير شؤون الدولة إلى القوات المسلحة المصرية، حيث اعتبرت الهيئة الوحيدة التي حصلت على ثقة الشعب المصري في ضل فقدان البرلمان ورئيس جهاز المخابرات نائب رئيس الجمهورية للمصداقية، ويمثل رفض الشعب للإبقاء على أحمد شفيق كرئيس للوزراء واضطرار عصام عبد العزيز شرف لآداء اليمين في ميدان التحرير أكبر دليل على قوة القرار التي أصبح يتمتع بها الشعب المصري والتي اكتسبها من خلال تماسكه وتمسكه بمطالبه وإصراره على استرجاع حقه المسلوب منه منذ عشرات السنين، حق القرار وحق مراقبة أجهزة الدولة، وأمام هذا الوضع ظهرت إلى الوجود مفاهيم جديدة فرضتها المتغيرات السريعة التي شهدتها مصر ابتداءا من الخامس والعشرين يناير.

ثوار مصر ثلاثة أصناف:

صنف أصيل، أسس الثورة أو التحق بها منذ بدايتها مطالبا بحقوقه وحقوق كل المصريين ومؤمنا بمشروعية مطالبه مقدما صدره لمواجهة رصاص الشرطة نيابة على بقية الشعب المصري، مفضلا التضحية والشهادة.

صنف متأصل، التحق بالثورة في منتصفها، محتميا بميدان التحرير لما تحولت الثورة إلى ثورة شعب وتأكد أن النصر آت لا محالة، ولما تأكد بأن العصى لن تضرب رأسه والرصاصة لن تطال صدره، وربما كان أكثر إيمانا بمبادئه من الصنف الأول ولكنه أقل شجاعة منه، ومنهم من لم يلتحق بالثورة ولكنه كان يعيشها بكل جوارحه.

صنف الصف الأخير، وهم فئة من الناس أمضوا الأيام يبحثون عن الترددات الجديدة لقناة الجزيرة ويتجولون بين القنوات الفضائية لمتابعة الأخبار، وقلوبهم متعلقة بنظرية ضرورة الإستقرار والخوف على مصر بعد مبارك، والتحقوا بميدان التحرير في آخر أيام الثورة ليسجلوا حضورهم فقط لا غير. وربما كانوا أكثر ناس انتقادا للثوار ومطالبهم خاصة بعد أن تعهد الرئيس مبارك بعدم الترشح لعهدة رئاسية أخرى، إذ لم يتردد بعضهم في مطالبة الثوار بالتراجع، لأن ذلك حسبهم أكبر إنجاز للثورة، ولكن غيرهم زادوا لكلمة (إرحل) كلمة أكثر قوة وشدة وتعبيرا هي كلمة (حالا).

بعد انتصار الثورة، الجميع أصبح يتحدث باسمها، ويظهر الخوف عليها، ويفخر بمنجزاتها ويحرسها من الحرامية والإنتهازيين. وتحولت أية مبادرة فردية أو جماعية يقوم بها أي طرف إلى مصدر للشبهات، على صاحبها أن يخضع لمسائلات شعبية وإعلامية قد تتجاوز قدرته على الإدراك أحيانا.

من الطبيعي أن تكتسب الثورة المصرية 85 مليون حارسا، يخشون عليها من الذين سبق وأن سرقوا الثروة ويريدون اليوم أن يسرقوا الثورة، وفخر لثورة مصر أن تجد هذا الحرس الوفي للمبادئ والقيم التي من أجلها انتفض الشعب.

لكن الحراسة المشددة على الثورة حرمت مصر من جني الكثير من الثمار التي كان يمكن أن يتكرم بها الكوادر، فتهمة محاولة سرقة الثورة والتخوين والتخوين المضاد أصبحت كوابيس تطارد كل من تخول له نفسه أن يفكر في مشروع وطني ويفكر في طرحه إلى الرأي العام ضمن مخطط سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي أو الكل معا، لأنه يتوجب عليه المرور على محكمة الثورة، حيث كل المحاكم الوضعية تقول أن المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته، ومحكمة الشعب الثورية تقول أن المتهم مجرم حتى يثبت برائته، وصار يكفي استرجاع مقال عن أي شخص ولو كان قديما وأكل عليه الدهر وشرب من جريدة منسية وإعادة نشره حتى تتحرك الآلة الإعلامية وتعلن تأسيس محاكمة باسم الشعب وباسم الثورة، حتى ولو كان ذلك المقال مجرد إشاعة.

ونلاحظ ظهور موجة شعبية شديدة العلو تطالب بمحاكمة النظام السابق وإعدامه، في الحقيقة إن المطالبة بمحاكمة رموز نظام الحكم في دولة عربية قمة الديمقراطية، والنجاح في إدخالهم إلى أروقة المحاكم انتصار عظيم وقد سجله التاريخ، لكن المطالبة بإعدام أقطاب النظام هو سقوط حر لإيديولوجية التغيير، فاستباق الحكم والتدخل في شؤون القضاء ومحاولة التأثير عليه شعبيا وإعلاميا هي صفات موروثة من إيديولوجيات الأنظمة الشمولية، حين كانت الأحكام تصدر قبل المحاكمات بقرارات سياسية ثم يتم تجنيد وسائل الإعلام لتبرير الحكم أو لتوجيه العدالة. في المجتمع المتحضر الذي نريد بنائه يتوجب علينا احترام المبادئ التي تقوم عليها دولة القانون، وأهمها احترام استقلالية القضاء، فما الفرق بين نظام شمولي يتحكم في القضاء بأوامر سياسية وشعب يريد توجيه العدالة بضغوطات إعلامية واحتجاجية.إن محو آثار النظام القديم يتطلب الإقتناع بإيديولوجية التغيير نحو الأفضل، وبناء مجتمع متحضر يتوجب مشاركة كل طاقات الشعب، وأول جنود التغيير هم الإعلاميين، فبهم تنشر ثقافة التحضر، والشعب يجب أن يتعلم احترام القانون، ليس فقط بالإلتزام به بل بعدم التدخل في عمل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبدلا من ذلك عليه دفع المجلس العسكري الحاكم في مصر بالعودة إلى الحكم بالدستور، وفتح باب الترشيحات لانتخاب رئيس جديد، وفي ظل وضع مستقر على مستوى القيادة السياسية يمكن أن نتحدث عن التغيير، إن الشعب المصري يثق في المؤسسة العسكرية ويحترمها، وهو يعتمد عليها كثيرا في إرجاع الأمور إلى نصابها في مصر، لكن بالمقابل يضغط عليها وعلى القضاء للإسراع بتنفيذ حكم الشعب، والمفروض أن يضغط من أجل إعادة الإستقرار السياسي للبلاد، لأن هذا هو أساس التغيير وهذا هو الضغط المشروع.
الثورة أرادت إخراج مصر من حالة طوارئ فأدخلتها في حالة طوارئ أكبر، فحالة الخوف على الثورة من السرقة، أنتجت نوع من الرعب والوسواس القهري وانعدام الثقة، وربما الضربات المتواصلة التي تعرضت لها أحلام الشعب المصري لعشرات السنين هي من سقت حديقة الوساوس.

من المفروض أن نقترح صياغة ميثاق للثورة المصرية ندون فيه كل المبادئ التي قامت من أجلها والخطوط العريضة لقوانين ودساتير الجمهورية والتي يجب أن تتماشى مع ذلك الميثاق، ولكن سنجد أنفسنا أمام حاجز نظافة الثورة، فلكل ثورة زعيم أو زعماء ومنظرين أو مفكرين، ومتعاطفين وأتباع، وبعد نجاح الثورة يقوم هؤلاء الزعماء بصياغة ميثاق لها، لكن الثورة المصرية ولدت من أم عفيفة وعذراء، ثورة عفوية لا زعيم لها، وتبناها مجتمع يمتلك نخبة من المثقفين والسياسيين تقدر بالآلاف، لكن الجميع على اختلاف مشاربهم الإيديولوجية يريدون تولي التنظير للثورة وصياغة ميثاقها، لذلك من الأفضل أن نستمتع بثمار الثورة المصرية ونترك التنظير والزعامة جانبا ونمضي قدما لبناء الوطن الجديد.