PostHeaderIcon قراءة فى مذكرات كيسينجر ( 1 )

ركن السياسة - سياسة

jpgالحلقة الأولى
وُلِد هنرى كيسينجر Henry Kissinger من أبوين يهوديين بألمانيا فى 27 مايو 1923 ، كان أبوه الحاخام اليهودى لويس كيسينجر يعمل مدرسا للتعاليم اليهودية ، وكانت أمه باولا شترن تدعم المنظمة الصهيونية الإرهابية شترن جانج Stern Gang التى تعمل بإسرائيل حسب قول الكاتب الأمريكى آلن جارى Allen Gary فى كتابه "أسرار وزارة الخارجية أيام كيسينجر" . ومثل كثير من العائلات اليهودية الألمانية هاجرت عائلة كيسنجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1938 هروبا من الإضطهاد النازى لليهود .
وأعرض هنا تمهيدا ضروريا قبل عرض بعض ماجاء بمذكرات هنرى كيسينجر عن حرب أكتوبر 1973 والتى تم نشرها تحت عنوان White House Years ، وترجمتها تحت عنوان "مذكرات كيسينجر فى البيت الأبيض" . لأوضح أنه رغم دعم الولايات المتحدة الصريح المعلن دائما للكيان الإسرائيلى منذ اصطناعه ، إلا أنها لم تكن تتقدم بأى مبادرات لحل مشكلة الشرق الأوسط الناتجة عن وجود هذا الكيان على الأرض الفلسطينية ، وحدث ذلك فقط بعد الهزيمة القاسية لجيوش دول الجوارالعربى فى يونيو 1967 ، وعلى رأس تلك الجيوش كان الجيش المصرى . ويجب التأكيد على أنه من العبث والغباء أن يفهم بعض الناس أن التدخل الأمريكى فى مشاكل الشرق الأوسط بالمبادرات أو بغير ذلك يمكن أن يميل فى أى وقت إلى مايلائم العرب ومصلحتهم أكثر من ميله الطبيعى التلقائى إلى مايلائم إسرائيل كإلتزام سياسى أمريكى . أو أن الميل ولو فى حده الظاهرى الأدنى لمصلحة العرب يمكن أن يكون يوما ما بدافع الأخلاق الحميدة أو بدافع مايسمى كذبا بالدفاع عن مصالح "الأسرة الدولية" ، تغطية على دافعها الحقيقى لتحقيق مصالحها الإستراتيجية بتمكين الكيان الإسرائيلى من الهيمنة على المنطقة العربية لحسابها .
وكانت حكومة إسرائيل فى صلتها مع الحكومة الأمريكية - قبل حرب أكتوبر مباشرة وأثنائها وبعد وقف إطلاق النيران - تعتمد تماما على هنرى كيسينجر الذى كان مستشارا للرئيس الأمريكى (ريتشارد نيكسون) للأمن القومى ، لأنها كانت تعلم تماما أنه لم يكن فى وسع هنرى كيسينجر كيهودى ألمانى هاجر إلى أمريكا هربا من الإضطهاد النازى أن يتخلى عن إحساسه بأن شعبه الحقيقى هو هناك فى إسرائيل المصطنعة . وكان هنرى كيسينجر حسب قول ناحوم جولدمان رئيس المؤتمر اليهودى العالمى يستخف بوليام روجرز وزير خارجية الولايات المتحدة ويسعى لأن يحل محله وهو ماحدث فعلا بعد ذلك ، وقد عمل هنرى كيسينجر منذ اللحظة الأولى على تجميد سياسة الولايات المتحدة التى نادى بها ويليام روجرز ونجح فى إقناع ريتشارد نيكسون بتبنى وجهة النظر الإسرائيلية بالنسبة لقرار مجلس الأمن الدولى رقم 242 مع عدم الضغط على تل أبيب .
ونذكر أن هذا القرار قد صدر فى أعقاب هزيمة يونيو 1967 قرار مجلس الأمن رقم 242 (UNSCR 242) بتاريخ 22 نوفمبر 1967 ، وأعد صيغته السفير البريطانى اللورد كارادون Caradon ، وتمت الموافقة عليه بإجماع الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن . ومنذ هذا التاريخ وحتى الآن ، أصبح هذا القرار هو حجر الأساس لأى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين الأطراف العربية وإسرائيل مع اختلاف وجهات النظر فى تفسير نصوصه ، فبينما تصر الأطراف العربية أن القرار ينص على الإنسحاب الإسرائيلى من الأراضى التى احتلت خلال نزاع عام 1967 ، فإن إسرائيل تصر على الإنسحاب هو من أراض احتلتها إلى حدود تعتبرها حدودا آمنة بالنسبة لها . وهو خلاف مازال مستمرا حتى الآن وذلك بسبب صياغة مفردات القرار بطريقة ملتبسة غير محددة ، حيث يتطلب القرار انسحاب إسرائيل "من أراض" from territories وليس "من الأراضى" from the territories التى احتلتها إسرائيل فى نزاع عام 1967 ، وبالتالى فإن إهمال اللفظ the فى نص قرار مجلس الأمن أعطى الحق لإسرائيل – من وجهة نظرها- على التمسك بعدم الإنسحاب من كل الأراضى التى احتلتها فى يونيو 1967 .
وبدأت مساعى مبعوث الأمم المتحدة جونار يارنج فى مارس 1969 للتوفيق بين وجهتى النظر العربية والإسرائيلية دون جدوى ، وخاصة بعد أن أعلنت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل فى 5 نوفمبر 1968 أمام الكنيست الإسرائيلى الآتى بقولها : " أننا عندما نقول أن حدودنا الآمنة هى نهر الأردن ، فإننا نعنى أنه عند توقيع اتفاقية سلام فلن تعبر هذه الحدود أى قوات أجنبية ، بل حتى بعد توقيع اتفاقية سلام لن توجد أى قوات أردنية أو عربية غرب نهر الأردن (الضفة الغربية) فى ظل أى تسوية سلمية " . وباءت مساعى جونار يارنج بالفشل الذريع لإصرار إسرائيل على عدم سحب قواتها إلا بعد تحديد الحدود الآمنة لإسرائيل . وكانت إسرائيل خلال ذلك مستعدة للإنسحاب من كامل سيناء بشروط .. ! .
ولتحريك الموقف تقدمت فرنسا فى 9 ديسمبر 1969 بورقة عمل تشمل اقتراحات تسوية بين الأردن وإسرائيل باعتبار أن سيناء لم تكن تمثل مشكلة أمام انسحاب إسرائيل منها . وهنا بدأت المساعى الأمريكية فى مواجهة المشروع الفرنسى لحل مشكلة الشرق الأوسط ، فتقدم وليام روجرز وزير خارجية أمريكا بمبادرة فى 19 ديسمبر 1969 تم تسميتها بمبادرة روجرز أو مشروع روجرز Rogers Plan للسلام ، وكانت مبادرة غامضة تم اقتراحها كمناورة لإفشال اجتماع القمة العربية المرتقب فى الرباط ، حيث تضمنت المبادرة اعتبار الحدود الآمنة لإسرائيل مقاربة لخط الهدنة 1949 ، بما يعنى عدم القبول الأمريكى بمبدأ الإنسحاب الكامل ، واختلف الوضع بالنسبة لمصر ، حيث تضمنت المبادرة الإنسحاب الكامل من سيناء واعتبار الحدود الآمنة لإسرائيل هى الحدود الدولية لمصر مع إسرائيل ، مع عدم عودة غزة للإدارة المصرية ، وعدم عودة شرم الشيخ للسيطرة المصرية وعدم استبعاد وضع شرم الشيخ تحت إشراف قوات دولية ، واقترحت واشنطن اتباع أسلوب رودس عام 1948 فى المفاوضات بدلا من المفاوضات المباشرة . ورفضت إسرائيل كل بنود هذه المبادرة وتحفظت بالنسبة لمصر حيث طالبت إسرائيل بضرورة أن تكون سيناء منزوعة السلاح ، وأن تكون المفاوضات مباشرة . واتفق جمال عبد الناصر مع الأردن على الإبقاء على الحوار مع واشنطن وعدم إغلاق الباب أمامه ، مع التزام الصمت بالنسبة للمبادرة وبغير أى تعليق يظهر الرفض أو القبول لها ، وخاصة بعد أن بادرت إسرائيل برفض المبادرة ، وانعقدت القمة العربية فى الرباط فى 20 ديسمبر 1969 من أجل تحقيق قومية المعركة واشتراك جميع الدول العربية فيها .
تيقن جمال عبد الناصر من ضرورة استمرار حرب الإستنزاف ومواصلة القتال من أجل تحرير الأرض بالقوة المسلحة وأن ما أُخذ بالقوة لن يسترد بغيرها ، وتزايد الشعور المعادى لأمريكا فى الوطن العربى . وقامت خلال ذلك الثورة فى السودان ثم ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 فى ليبيا بما حقق دعما وعمقا استراتيجيا جديدا وكبيرا للمعركة القادمة ، كما تم توقيع اتفاق عسكرى فى أغسطس 1969 بين مصر وسوريا ، انبثقت عنه قيادة سياسية للمعركة تم تشكيلها من رئيسى الدولتين وعضوية وزراء الدفاع والخارجية فى البلدين . واستمر تدفق الأسلحة السوفييتية على مصر ، مما ساعد مصر على البدأ فى تجهيز المواقع الضرورية لقواعد الصواريخ بمنظومة الدفاع الجوى ضد طيران العدو المتفوق ، وبلغت خسائر المدنيين الذين اشتركوا فى بناء تلك القواعد 4000 شهيد أثناء هجمات طيران العدو الليلية . واستمر أثناء ذلك التصعيد الناجح للعمليات العسكرية المصرية ضد إسرائيل بالقوات الخاصة التى كانت تعبر القناة بصفة مستمرة ، كما تمكنت شبكة الدفاع الجوى قبل استكمالها من إسقاط 13 طائرة فانتوم وسكاى هوك فى الأسبوع الأول من شهر يوليو 1970 وأسر خمسة من الطيارين ، مما ترتب عليه أن قامت إسرائيل بإبلاغ واشنطن بأن سلاح الطيران الإسرائيلى بدأ يتآكل . فدفع ذلك الولايات المتحدة إلى التقدم بمبادرة بدت متوازنة إلى حد ما ، وكانت هى مبادرة روجرز الثانية للحفاظ على المصالح الحيوية الأمريكية فى المنطقة بعد الأخطار المتزايدة ضد إسرائيل نتيجة تصاعد حرب الإستنزاف من ناحية ، ومنتيجة لفعالية التنسيق العسكرى بين دول المواجهة الذى استند على دعم عربى جدى وواضح ، علاوة على أن الوجود العسكرى السوفييتى كان تحذيرا كافيا ببداية انقلاب لموازين القوى فى المنطقة ، حيث قام الإتحاد السوفييتى لأول مرة فى تاريخه بإرسال طيارين مقاتلين بطائراتهم لدولة غير شيوعية – هى مصر - للدفاع عن سماء مصر ، خاصة بعد أن تبين أن الولايات المتحدة قد أرسلت هى الأخرى طيارين إلى إسرائيل يحملون جنسية مزدوجة واشتركوا فى الغارات على مصر وتم أسرهم بعد إسقاط طائراتهم .
وإلى الحلقة الثانية بإذن الل