PostHeaderIcon الكرامة الوطنية

ركن السياسة - سياسة

jpgينشرح صدري كثيرا حينما أطالع صفحات المسلمين والعرب التاريخية المجيدة والتي بها محطات سريعة بسيطة في سطورها لكنها شديدة في وزنها ومن ضمن تلك الصفحات حادثة تسيير الحاجب المنصور- أحد اشهر الحكام المسلمين في فترات العصر الأندلسي الأوسط - جيشا جرارا لاعادة ثلاث أسيرات مسلمات من رهن النصارى الأسبان حينما ابلغه أحد رسله إلى ممالكهم انه شاهد خلال جولة له مصادفة ثلاث أسيرات مسلمات معتقلات في حوش إحدى الكنائس الخاصة بهم فأصابه الغضب والذهول واسرع للمنصور ليخبره بالأمر ، والعجيب أن المنصور حين وصل إلى هناك بجيشه اقسم له ملكهم انه لا يعرف شيئا عن تلك الأسيرات واكتشفوا بالصدفة أن أحد الجنود هو الذي أسرهم دون أن يبلغ مليكهم - أو هكذا قالوا - لينجوا من حملة الحاجب المنصور المهم انهم أعادوا له أسيراته مع الهدايا والاعتذار والندم على ما حدث والتعهد بعدم التكرار . هذه القصة تثير الإعجاب والزهو وتجسد واقعا قويا لمعنى الكرامة الوطنية في نظري والتي لا توقفها أمراض الحرص على الحياة أو الخوف أو التلذذ بالعيش أو الكسل والخمول وتعطيني في نفس الوقت إجابة كبيرة على هذا السؤال : كيف لشعب أن يضع كل أو جل إمكاناته مسخرة في سبيل إنقاذ حياة فرد أو بضعة أفراد ينتمون له في مناطق بعيدة عن وطنه وهو في عرف المكسب والخسارة لا يعد شيئا بالمرة ؟ . وهذه الإجابة تتلخص في جملة من كلمتين هي " الكرامة الوطنية " . وإذا أسقطنا تلك الحالة على مصر الآن في العام 2010 ترى ما هي المسافة التي تقفها مصر من الكرامة الوطنية ؟ . إن أمريكا وبريطانيا في عصرنا الحديث لم يبتعدا كثيرا عن تطبيق هذا المعنى واستخدموا أساطيلهم وقواتهم الحربية لتجسيد معنى الكرامة الوطنية واعلنوها كثيرا ويعلنونها على الدوام حتى وان كانت الأهداف المبطنة تتعدى الكرامة الوطنية إلى الأطماع الوطنية ولكن هكذا استخدموا المعنى وطبقوه . لا أستطيع وضع حدود واضحة بين ضبط النفس والتكتيك وتحقيق نداء الكرامة الوطنية وهى مصطلحات متضادة يضرب بعضها بعضا في عالم السياسة ولكن أنا أتعجب من أننا لم نلجأ لمصطلح الكرامة الوطنية سياسيا طوال عقود رغم أننا متشبثون بمصطلحات ضبط النفس والعقلانية والتسامى والتعالى على الأمور التافهة وخلافه . والحاصل أننا لسنا بحاجة لتجسيد معنى الكرامة الوطنية في علاقاتنا بالمحيط الخارجي وأيا كان – حتى ولو على الأعداء التاريخيين فقط - لانه يبدو أننا لا نفهم هذا المصطلح في الأساس ومتى نطبقه أو نجسده . على الأقل أنا اعرف تماما انه في عالم الكواسر والمفترسات لا يصبر أسد جسور على أن يمسك أحد بذيله ويتلاعب به كما يحلو له والنتيجة هي إما هروب هذا المغامر أو استقراره في جوف الأسد كذلك لم أرى أسدا قاعدا يضبط النفس ويفكر حين يفعل معه أحد هذه الفعلة .