PostHeaderIcon هيلين المروءة المفقودة في بلاد الحرية

ركن السياسة - سياسة

jpgأبت السيدة التسعينية هيلين توماس Helen Thomas أن تأوي إلى الظل من مسيرة مهنية ممتدّة، كانت فيها عميدة صحفيي البيت الأبيض، عايشت خلالها عشراً من الرؤساء كانت فيها صوتاً لاذعاً في سنّيها الأخيرة ضد السياسات الأميركية المنحازة لإسرائيل وضد

حربي العراق وأفغانستان، أبت الخروج من المسرح قبل أن تدعوا الإسرائيلين في جلسة خاصة إلى مغادرة فلسطين والعودة إلى ديارهم من حيث جاؤوا، لأن الفلسطينين شعب محتل وهذه أرضه، وهو ما أدّى إلى خروجها من البيت الأبيض وإقالتها أو استقالتها من عملها، ولم يشفع لها تاريخها وخبرتها وأخاديد الزمن على وجناتها وطلّتها، ولا اعتذارها عما كان.
قالت السيدة هيلين الكثير من الكلام الثقيل وإنما المباح، انتقدت فيه السياسة الأمريكية في سنواتها الأخيرة لاسيما أيام الرئيس السابق جورج بوش الابن الذي بلغ الأمر به حد تجاهله أسئلتها المحرجة والقوية التي تتعدى بها الخطوط الحمراء، وحين مازحها وهي التي اعتبرته أسوأ الرؤساء في تاريخ أمريكا على الإطلاق لأنه أدخل العالم في مرحلة من الحروب الأبدية المستديمة، بأن طلب منها في حفل خاص توجيه سؤال، ردت ستندم على طلبك، ثم سألته عن جدوى الحرب على العراق. وهي أيضاً التي أحرجت الرئيس أوباما مراراً بأسئلةٍ لو أجاب عليها لمسّ خطوطاً لايجوز المساس بها عن الوضع الإسرائيلي. ولا أدلّ على سخونة أسئلتها وإحراجها من رد الرئيس الكوبي فيدل كاسترو على سؤال لأحد الصحافيين عن الفرق بين الديمقراطية في أمريكا وفي كوبا بقوله: لست مضطراً للإجابة عن أسئلةٍ من هيلين توماس في إشارة إلى جرأة السؤال.
كل من سمع الكلمات المعدودة للسيدة العجوز مع إسدال ستارة النهاية في فيلم حياتها الصحفية يعلم يقيناً أنها تجاوزت كل الخطوط والألوان، واخترقت المقدّس الصهيوني وارتكبت الخطيئة التي لاتغتفر، بما قالت من محرّم الكلام عند من يسوّقون لأحقيتهم في أرض فلسطين، ويتفهم بعضاً من توصيفات الحملة الشرسة عليها بالصهيوأمريكية لأنها قالت بالحق المرّ وأباحت بالحقيقة الأشد مرارة، التي كان منها كلام روبرت غيبس المتحدث باسم البيت الأبيض: إن تصريحات توماس كريهة وتستحق التوبيخ، وقول رابطة مراسلي البيت الابيض عنها: إن تصريحات توماس لا يمكن الدفاع عنها. أما الكلام الأوقع والأبلغ فكان للرئيس أوباما عن استقالتها هو أنها اتخذت القرار الصائب لأن تصريحاتها جارحة وخارجة عن النص، وإنه لأمر مؤسف أن تنتهي مسيرتها إلى هذه النهاية المخجلة.
قالوا بأن ماقالته هيلين قيل عشرات المرات في مجالس النخب الأمريكية الخاصة ولكن ليس في مثل هذه الظروف الضاغطة على إسرائيل. وعليه، فقد أراد أهل الحملة من حملتهم تضخيماً إعلامياً ونفخوا على طريقتهم بما قالته السيدة هيلين ليجعلوا منها عبرةً للمعتبرين وآيةً للمتدبرين، ولتكون رسالة المواجهة والتأديب زماناً ومكاناً لمن يهمه الأمر ليرى بأم عينه ويشهد أن مصيره الاحتراق، فيما لو خطر بباله أن يمارس ولو بلهو الحديث مثل هذا الاختراق. لقد قالت أيقونة البيت الأبيض ماقالت، وتجاوزت على المقدس الصهيوأمريكي ومابقي من العمر إلا القليل، ومضت إلى قدرها، صرفاً من زخرف المكان والمكانة، وانصرافاً من زخرف المكان والمكانة بعد أن أفنت دهرها عملاً وكدحاً، دون حفلة وداع تكون بمثابة لمسة مودة أو بسمة عرفان أو حتى كلمات ثلاثة تقال لها من مثل عساكِ على القوة أو الله يعطيكِ العافية.
ولقد أراد الكثير من عربنا وعجمنا أن يجعلوا مما لحق بالتسعينية العجوز بكائيةً على ديمقراطية أمريكا، وعويلاً على حرية التعبير فيها، ونواحاً على علمانيتها وعدالتها. ونحن مع عربنا وأعرابنا وكل الخيرين في هذا العالم نحيي امرأة شجاعةً قالت كلمة حق في زمن عزّ فيه الرجال، وإنما من دون البكاء والعويل والنواح لأن أكثر الناس بكاءً وعويلاً وصراخاً هم الذين يستقوون علينا مع أجهزة قمعهم ومافيات فسادهم بما عليه ينوحون ويلطمون، وهم فيها وبها ومع استبدادهم وطوارئهم علينا قادرون ومقتدرون. ويريدون أن يجعلوا مما قالته هيلين توماس قنبلة دخانية يطلقونها أمام أعيننا تعمية وتغشية عن سوآتهم وقباحاتهم وبجاحاتهم، وكأن الديمقراطية وحرية التعبير هم أهلها وناسها.
هيلين توماس سقتنا بكلامتها الرطيبة جرعة ماء في صحراء لاهبة بظلم الغريب وقمع القريب واختلاف الإخوة وتناكر الناس، وتباعد الديار وهجرة الأحباب ودجل الشعارات، وقهر العباد واستبداد الزعامات، وانتشار المافيات، ثم تولّت إلى الظل تغفو على ذكريات حياة جميلة وتصحو على ألم الرحيل وقسوته، تمضغ الفرحة حيناً والحزن أحياناً مرتاحة الضمير بما أفضت، فسلام على هيلين  من القائلين بالحق وأنصاره في الأولين والآخرِين