PostHeaderIcon مصر تاريخ من المراهقة السياسية

ركن السياسة - سياسة

jpgهل هي محض صدفة أن يتحكم في تاريخ مصر السياسي في النصف الأخير من القرن الفائت جماعات وتيارات ليست لها خبرات في قيادة بلد مثل مصر ، وعلى الرغم من أن أهداف تلك الجماعات التي شاركت في رسم صورة مصر السياسية أحيانا أو أثرت في مسيرتها السياسية أحيانا أخرى كانت حالمة ورومانسية إلى حد بعيد وبالتأكيد مستغلة لحالة الاهتزاز السياسي المصري التي شكلت مرضا مزمنا في جسد مصر منذ أن أصبحت دولة قائمة بذاتها في عصرها الحديث .
حدث هذا في بداية الخمسينيات

 حينما حكم مصر شباب من العسكر غاضبون أو موجهون أو مستغلون لفرصة الفراغ السياسي والضعف العام الذي وصلت إليه مصر وتبين من مشوارهم ورحلة الشعب معهم عدم استعدادهم للتخلص من المراهقة السياسية التي صاحبتهم .
 
وحدث هذا حينما حاول شباب آخرون من العسكر والجامعيين إمساك زمام الأمور في مصر وخطفه من قادة يوليو 1952 ملتحفين بالدين وحكم الشريعة ورافعين مبدأ الحاكمية لله في نهاية السبعينيات من القرن الماضي وحتى منتصف التسعينيات من نفس القرن وقد بلغت ذروتها أبان اغتيال الرئيس السادات في أكتوبر 1981 ولكنها لم يكتب لها النجاح غير أننا يجب أن نعترف بتأثيرها الشديد على مناخ مصر السياسي في تلك الفترة .
 
ولعل من ابرز ملامح إحساس تلك الجماعات بمراهقتها السياسية وتخوفها من عدم قبول الشعب أو المراقبين في الخارج لها هو اتفاق الجماعتين على اختيار رمز ضابط لحركتها ومقنع لمن في الخارج فاختارت حركة الضباط الأحرار اللواء محمد نجيب كرمز وواجهة لتغطية مراهقتهم السياسية تلك ثم ما لبثت أن تخلت عنه بعد حين لتأكيد تلك المراهقة وانهم لا يستطيعون الاستغناء عنها ورفضهم القاطع لنصائح هذا الرجل الحكيم بالعودة للثكنات وممارسة السياسة من خلال المؤسسات وليس من خلال المعتقلات .
 
وعلى الجانب الآخر اختارت الجماعات الإسلامية الشيخ عمر عبد الرحمن لقيادتها وتمثيلها وتغطية مشكلة الاندفاع والمراهقة السياسية الواضحة لها رغم قوة الفكرة وعاطفيتها وتأثيرها الشديد في الشعب المصري المتوطن على المشاعر الدينية ولكن لم تستمر حتى نرى مواجهتها لوجود الشيخ عمر قائدا لها رغم أن مؤشرات الانقلاب عليه كانت واضحة حينما رفض بعض قادتها ولايته بحجة عدم وجوب ولاية الأعمى كما كان معروفا عن حالته الطبية .
 
ومن الواضح أيضا أن مصر سارت في اتجاه الرضوخ للمراهقة السياسية لفترات طويلة من القرن الفائت وبالتحديد في نصف القرن الأخير دون أن تتعلم أو تصل لمرحلة النضج رغم أن النظام الأخير باق في الحكم وقد اقترب من العقود الثلاثة مما يوحي ظاهريا بالاستقرار والنضج إلا أن الحقيقة في ظني أن مصر مهددة بالدخول مرة أخرى تحت رحمة المراهقين السياسيين إذا حدث وذهب نظام الحكم الحالي ووضع مؤسسات مصر السياسية على ما هي عليه من الجمود .
 
إن دولا كثيرة من التي نتخذها مثلا على الاستقرار السياسي واجهت مشكلات جمة وعديدة ومهددة أحيانا لوضعها ولكيانها ولكنها استطاعت تخطيها بفضل النضج السياسي التي بنيت عليه والأساس القوى السليم لادارة البلاد في احلك لحظات التوتر والأزمات ولكننا هنا في مصر لم نستطع رصد تاريخ متصل لحركة سياسية أو نظام سياسي اجمع عليه الشعب بطوائفه واتجاهاته وعقائده كما نرى فرقاء الدولة الصهيونية يقودونها وهم على طرفي نقيض تماما ، فما هو السر في اتفاق النخب الحاكمة للدولة الصهيونية العلمانية والوسيطة والدينية المتشددة المهووسة بالدين على الحفاظ على كيان الدولة وبشرط اكثر غرابة وهو حرية كل تيار في ممارسة ما يعتقده في نفس الإطار ولم تكن الاختلافات أو المواجهات التي حدثت لتطيح بأحلام التوسع والهيمنة الصهيونية على المنطقة التي تعيش فيها .
 
رغم أن الشباب في مصر وفى أي دولة من دول العالم هم وقود حركة المجتمع وبالأخص السياسية منها إلا انهم يجب أن ينطلقوا من داخل عباءة نظام واضح وراسخ ومتين ومجمع عليه من كافة فئات الشعب العمرية ، فحزب العمال البريطاني قاد بريطانيا بشباب اشتراكيين وغير تقليديين ولكن خرجوا من عباءة العراقة السياسية البريطانية واحترموا التقاليد والأعراف ولم تهتز بريطانيا العظمى بسببهم .
 
إن الوطن قد استوعب في كل لحظات تاريخه الحديث كل المناهج الحاكمة والمؤثرة في مسيرته السياسية ما نجح في الوصول للحكم وما لم ينجح وبقى مجرد فكرة بديلة واقفة على باب الحكم والسيطرة ولم يجد هذا الوطن من يرحم ضعف غالبيته وأمية غالبيته وجهل غالبيته التي بقيت قيدا مكبلا لارجله لم يستطع الفكاك منه حتى الآن وبقى حبيس قوى مراهقة لم تفلح في قيادة جموع الأميين والبسطاء الخائفين نحو النور والحقيقة والحضارة .
 
سيد حسن
 
سؤال المقالة :  امتى تخرج مصر من شبكة المراهقة السياسية  ؟