PostHeaderIcon ثورة...للإطاحة بالثور(ة).!

ركن السياسة - سياسة

jpg" If it looks like a duck, quacks like a duck and walks like a duck,then Definitely it's a duck"
هذا مثل شهير باللغة الانجليزية معناه أننا لانستطيع تجاهل الشواهد والمؤشرات على أن شيئا ما حدث أو يحدث..أو سيحدث بطريقة معينة،ولكننا لانملك دليلاً

دامغاً على تصوراتنا عنه وتوقعاتنا بشأنه.
انطلاقا من قناعة راسخة تكونت لدي منذ زمن بعيد..بأن أي تغيير في المجتمع لابد وأن يبدأ من القاعدة،ابتداء بالفرد..ومرورا بكل أشكال التجمع الشعبي والمدني..ووصولاً إلى مؤسسات المجتمع المدني إن وجدت..وانتهاء برأس السلطة.إلا أن هذه القناعة لا تتجاهل ما للقيادات السياسية والثقافية والفكرية والإعلامية في أي مجتمع من دور تنويري،يتفاعل دوماً بالمجتمع ومعه..وهو ما يقود في النهاية إلى تصحيح الأوضاع الخاطئة.
والملاحظ في الثورات الشعبية العربية الحالية هو أنها حاولت استنساخ التجربتين التونسية والمصرية شكلاً ومضموناً،دون الأخذ في الاعتبار الاختلافات الجذرية بين الدول العربية بشعوبها وأنظمتها..وهو ما يتضح جلياً في تفاوت مستويات الوعي،والتعليم،والنمو الاقتصادي..بالإضافة إلى وجود أو عدم وجود الحاجة الملحة إلى التغيير الفوري للجالسين على قمة هرم السلطة السياسية.
كما أن هذا الاختلاف يكون ملموسا جدا عند النظر إلى طبيعة المجتمع من ناحية طغيان الصبغة العسكرية أو المدنية فيه.

يبدو لي والله أعلم أن المثل الانجليزي ينطبق على هذه الثورات.فهي ليست في الأساس سوى ثورات جوعى ومضطهدين سياسياً واقتصادياً وحقوقياً..والدليل هو أننا لم نر شيئا من هذا القبيل في الدول الغنية كدول مجلس التعاون الخليجي (باستثناء البحرين التي يحتل فيها المواطن الشيعي مرتبة أقل من مرتبة المقيم)،على الرغم من أن هذه الدول في غالبيتها دول دينية بابوية بالمعنى الحرفي للكلمة..ولا توجد يها مؤسسات مدنية على الإطلاق ولو صورية.

أنا لست ضد الثورات العربية الحالية مادامت استطاعت على الأقل تحريك المياه الراكدة والمتعفنة في بحيرة العروبة الآسنة..ولكن خوفي نابع من عدم وضوح الرؤية بالنسبة للمستقبل،وفقدان الاتجاه الذي يجدر بهذه الثورات السير نحوه..بالإضافة إلى تربص القوى الكبرى بها ومحاولة تحويلها إلى أداة يستخدمها لصالحه في اتجاهين: الأول..تهديد الحكومات القائمة بهذه الثورات والاحتجاجات والضغط عليها كوسيلة للابتزاز السياسي.والثاني:توظيف الثورة لصالحه إن استطاع ذلك..وهو ما يبدو لنا واضحا في الحالة الليبية..على الأقل حتى الآن كما يظهر من تداعي الأحداث.

السؤال الذي يحيرني حقاً هو التالي:
ماذا بعد أن يذهب الرئيس الحالي..أي رئيس؟
ما سيحدث هو أن غيره سيأتي وستعود الحياة إلى وتيرتها السابقة..ويعود كل فرد إلى بيته..
محملاً بنفس الأفكار المعلبة..سيعود كما كان..فردا لا قيمة له تتجاوز قيمته كترس في آلة القبيلة أو العشيرة أو الطائفة أو المذهب..وسيعود إلى ممارسة نفس العادات والتقاليد الاجتماعية المهترئة التي تكرس التبعية وتبرر الظلم والإقصاء والتطرف..وتدين الحرية باسم الإله والدين تارة..وباسم هذه العادات تارة أخرى.

أظن أن العرب في حاجة ماسة إلى ثورة دينية على غرار ثورة مارتن لوثر في أوروبا..
وثورة فكرية واجتماعية وصناعية..تسبق كل هذه الثورات والفوضى التي نراها تحيط بنا من كل جانب.فأنا لاأستطيع أن أتخيل مثلاً أن اليمن أو سوريا ستصبح دولة مدنية متقدمة،وصناعية.. فقط باختفاء الرئيس.

أتمنى حقاً أن أكون مخطئاً.

ما يحدث الآن في العالم العربي هو ببساطة - حسب رأيي – محاولة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل ثورات الاستقلال في منتصف القرن الماضي..وهو ما يعني فشل تلك الثورات في تحقيق أي إنجاز ملموس على أرض الواقع..والأدهى من ذلك والأمر هو تحالف بعضها مع الاستعمار في شكله العالمي الجديد (العولمة)..ضد الشعوب..وتسليم ثرواتها للناهبين العالميين.
فمصر أيام الملك التركي (فاروق)،كانت أفضل بآلاف المرات من مصر ثورة يوليو التي تتشدق دائماً بإنجازين يتيمين مشكوك فيهما..وهما تأميم قناة السويس التي لم يكن تأميمها سوى حتمية تاريخية،ونصر أكتوبر الذي لم تذق الشعوب العربية تحققه على أرض الواقع بسبب أحد عاملين:
إما الخيانة،وإما الغباء السياسي العربي الذي لم يستطع استثمار هذا الانتصار وتحويله إلى واقع سياسي ..علماً بأن سلاح النفط في هذه الحرب كان أمضى وأشد في إيلام المحتلين وأعوانهم من قادة الامبراطورية الأمريكية..وأوضح في إيصال رسالة الرفض للظلم العالمي الذي لحق بالفلسطينين
والعرب.

ألا لعنة الله على الجمهوريات العربية التي ابتدأت عهود الاستقلال على يديها لتسلمنا إلى احتلال أبشع.
احتلال الثورات العسكرية للعقل العربي الذي لم يستيقظ بعد من تراكمات وسبات عهود الانحطاط التي امتدت إلى خمسة قرون،والسماح للمستعمر القديم بنهب ثروات الشعوب العربية اعتمادا على عملائه من قادة هذه الشعوب،دون الحاجة إلى ميزانيات فلكية لتحريك الجيوش.